في علامة فارقة في تاريخ الطب وزراعة الأعضاء، أعلن باحثون في دورية «نيتشر» العلمية الشهيرة عن نجاح زرع كبد خنزير معدلة وراثياً في جسم مريض بشري، حيث ظلت الكبد حيةً وتعمل لمدة 171 يوماً متواصلة (نحو 6 أشهر) من دون حدوث رفض مناعي حاد.
وهذه المدة القياسية غير المسبوقة تفتح الباب على مصراعيه أمام استخدام الأعضاء الحيوانية (Xenotransplantation) كحل عملي وطويل الأمد لأزمة نقص المتبرعين البشر.
واعتمدت التقنية الثورية على تعديل جينات الخنزير المانح في نقاط حاسمة عدة، بهدف خداع الجهاز المناعي البشري ومنعه من مهاجمة العضو الجديد.
وفي هذا السياق، شرح التقرير أبرز التعديلات الجينية التي تمت:
• حذف الجينات المسؤولة عن إنتاج جزيئات السكر (Alpha-gal): هذه الجزيئات الموجودة على سطح خلايا الخنزير هي السبب الرئيسي للرفض الفوري الحاد (Hyperacute Rejection) عند زرع أعضاء الحيوان في الإنسان. تم تعطيل الجينات المنتجة لها.
• إضافة جينات بشرية منظمة للالتهاب: تم إدخال جينات بشرية مسؤولة عن إنتاج بروتينات (مثل CD46 وCD55) تثبط عمل الجهاز المكمل (Complement System)، وهو جزء من جهاز المناعة المسؤول عن تدمير الخلايا الغريبة.
• تعديل جينات تخثر الدم: لمنع تكون الجلطات الدموية الدقيقة في الأوعية الدموية للكبد المزروع، والتي كانت مشكلة إشاعة في التجارب السابقة.
وخلال الأشهر الستة التي تلت الزراعة، قام الكبد بوظائفه الحيوية الأساسية بكفاءة، شملت:
• إنتاج العصارة الصفراء اللازمة لهضم الدهون.
• تصنيع بروتين الألبومين الأساسي.
• استقلاب العديد من الأدوية والعناصر الغذائية.
ومع ذلك، لم تخل التجربة من مضاعفات. فبعد 38 يوماً من الزراعة، ظهرت علامات على تكون جلطات دموية دقيقة في الأوعية، ما استدعى إزالة العضو وإعطاء المريض علاجاً مثبطاً للمناعة ومضاداً للتخثر. لكن الباحثين يرون أن مجرد بقاء العضو حياً وعاملاً لهذه المدة الطويلة هو إنجاز بحد ذاته.
وأشار مراقبون إلى أن الطريق نحو زراعة الأعضاء الحيوانية أصبح ممهداً أكثر من أي وقت مضى. فبعد عقود من الفشل، ها نحن نقترب من اليوم الذي لن يموت فيه مريض وهو ينتظر متبرعاً بشرياً. الخنازير المعدلة وراثياً من شأنها أن تكون الحلم الذي يتحقق.
