– 69 مليار دولار حجم التجارة بين الهند وروسيا 2024
– بعد رسوم الـ 50 % … الهند تعزّز تحالفاتها مع الصين وروسيا على حساب واشنطن
– هل يُسرّع تحالف الصين وروسيا والهند من نهاية هيمنة الدولار؟
– واردات الهند من النفط الروسي تضاعفت 19 مرة لتتجاوز 1.9 مليون برميل يومياً
في تحوّل جيوسياسي ملحوظ، يبدو أن سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاقتصادية القاسية، خصوصاً فرض الرسوم الجمركية العالية، قد أدّت إلى تقريب 3 قوى كبرى وهي الصين وروسيا والهند.
وبدأت هذه الديناميكية مع إعادة انتخاب ترامب في 2024، حيث عاد إلى إستراتيجيته في عزل المنافسين الاقتصاديين من خلال الرسوم الجمركية، مستهدفاً بشكل خاص الهند بسبب مشترياتها الكبيرة من النفط الروسي الرخيص وسط الحرب الأوكرانية المستمرة.
خلفية التوترات
وأعرب ترامب عن قلقه الشديد من هذا الاقتراب، حيث كتب على منصته (Truth Social): «يبدو أننا فقدنا الهند وروسيا لأعماق الصين المظلمة»، معتبراً أن سياساته الدبلوماسية أدت إلى دفع الخصوم نحو بعضهم البعض، ما يعكس فشلاً في إستراتيجيته لعزل الصين وروسيا.
كما أكد السيناتور الأميركي ديك دوربين أن «ترامب يضعف موقف أميركا العالمي ويدفع الهند نحو روسيا والصين». وتعليقاً على ذلك، قالت صحيفة «تايمز أوف إنديا»: «تغريدة الرئيس الأميركي، المعروف بأسلوبه المتقلب في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للسخرية من خصومه وأحياناً حتى حلفائه، تضمنت الكثير ما يمكن للمحللين تفكيكه، وذلك رغم أنها لم تتجاوز 20 كلمة. فقد عكس النص شعوراً بالاستسلام والاعتراف بخسارته لكل من الهند وروسيا، وهما دولتان كان يتوقع ضمنياً أن تكونا حليفتين لواشنطن ضمن رؤيته لـ «أميركا العظمى». كما أوحى وصفه السلبي للصين بأنها الكيان الأكثر عمقاً وظلاماً أنه يعتبرها الآن خصماً رئيسياً ومتآمراً».
قطاع الطاقة
وفي خبر نشرته وكالة بلومبرغ اليوم، يبدو أن الصين تعمل على إنشاء نظام لاستيراد شحنات منتظمة من الغاز الطبيعي المسال الروسي، من مشروع (Arctic» (LNG 2» الخاضع لعقوبات أميركية، ما سيختبر استعداد إدارة ترامب لفرض عقوبات على بكين لتقييد إيرادات موسكو من الطاقة.
وبعد استقبال أول شحنة تصدير من المشروع في أواخر أغسطس، تتجه الصين لاستقبال مزيد من الغاز الروسي المدرج على القائمة السوداء، مع تخصيص محطة بيهاي في جنوب البلاد لهذه الشحنات. من خلال اختيار ميناء محدود الانتشار الدولي، تأمل بكين في حماية قطاع الغاز من إجراءات انتقامية.
من جانب آخر، نقلت وكالة رويترز عن رئيس قسم الأبحاث في شركة «غانفور» لتجارة الطاقة فريدريك لاسير، أن عقوبات جديدة على مشتري النفط الروسي قد تؤدي إلى اضطراب في تدفقات الخام.
وجاءت تصريحاته، بعد إعلان ترامب عن مرحلة ثانية من العقوبات على روسيا، لضرب عائداتها النفطية وإجبار بوتين على المفاوضات. وصرّح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في مؤتمر «APPEC»، أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد يفرضان تعريفات إضافية على الدول المشترية للنفط الروسي، مثل الصين والهند، محذراً من أن عدم فرض عقوبات يجعل التهديدات «كلاماً فارغاً». وقد تؤثر هذه العقوبات على إمدادات النفط بأكثر من مليون برميل يومياً، بما في ذلك روسيا وإيران.
رسوم الهند
وبالنسبة للهند، فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية تصل 50 % على سلعها، مع إضافة 25 % كرد فعل على وارداتها من النفط الروسي، ما أثار غضباً في نيودلهي وتدهور العلاقات الأميركية-الهندية. ودفع هذا الضغط رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى تعزيز الروابط مع بوتين وشي جين بينغ، مستفيداً من منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) ومجموعة بريكس. ولم يكن هناك تحالف رسمي جديد، بل تعزيز للشراكات القائمة، حيث رأت الهند في روسيا والصين بدائل اقتصادية موثوقة.
وفي الآونة الأخيرة، خفف ترامب من لهجته تجاه الهند، لكن نيودلهي اتخذت موقفاً حذراً. كما أصبحت مجموعة بريكس، التي تضم جنوب أفريقيا وأعضاء جدد من آسيا والشرق الأوسط، محل استياء ترامب المتزايد. في يوليو الماضي، وهدد بفرض رسوم إضافية على الدول المنضمة إلى سياسات المجموعة«المعادية لأمريكا»، خاصة مساعيها لتعزيز التجارة بالعملات المحلية والتخلي عن الدولار. ومع ذلك، دفع هذا الضغط الدول الأعضاء إلى تعزيز الروابط مع الصين.
التداعيات الاقتصادية
وفي أحدث التطورات، التقى مودي وبوتين وشي في قمة منظمة شنغهاي للتعاون «إس سي أو» (SCO)، حيث ناقشوا تعزيز التعاون في الطاقة، الدفاع، والتكنولوجيا. وحسب صحيفة «ذي هندو»، بلغ حجم التجارة بين الهند وروسيا 69 مليار دولار في 2024، مع تضاعف الصادرات الهندية إلى روسيا، بينما بلغت التجارة الثلاثية بين الصين والهند وروسيا 452 ملياراً في 2023، ارتفاعاً من 351 ملياراً في 2022 وفقاً لـ (Observatory of Economic Complexity).
وتشمل المشاريع توسيع الشراكة الهندية-الروسية لمدة 70 عاماً، بما في ذلك مشاريع نووية في كودانكولام، استكشاف النفط في القطب الشمالي، وممرات نقل مثل الشمال-الجنوب الدولي.
ورغم التوترات الحدودية بين الهند والصين في 2020، دفعت الضغوط الأميركية نحو تجاوزها موقتاً. في الهند، ارتفع الغضب ضد الولايات المتحدة، مع دعوات لمقاطعة السلع الأميركية وزيادة الاعتماد على العملات المحلية، ما أثار شكوكاً حول قمة «كواد» في نوفمبر 2025.
توحيد المنافسين قد يؤثر على سلاسل التوريد السنوات المقبلة
اقتصادياً، أدّى تحالف الهند والصين وروسيا إلى خفض أسعار النفط العالمية بفضل مشتريات الصين والهند من النفط الروسي المخفض، حيث ارتفعت واردات الهند من روسيا 19 ضعفاً بين 2021 و2024 (من 0.1 إلى 1.9 مليون برميل يومياً)، وصادرات الصين بنسبة 50 % إلى 2.4 مليون برميل، حسب ما ذكره موقع«دويتشه فيله».
ورغم التوتر، أشار ترامب إلى أن العلاقات مع الهند جيدة، وقد يلتقي مودي في الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكن الخبراء يحذرون من أن هذا التحالف قد يؤدي إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، مع مخاطر على الهيمنة الأميركية الاقتصادية.
ويرى محللون أن هذه التطورات تعكس فشل إستراتيجية ترامب في عزل الصين، حيث أدت إلى توحيد المنافسين، ما قد يؤثر على الأسواق العالمية وسلاسل التوريد في السنوات المقبلة.
ويستفيد هذا التحالف النامي من قوة الصين في التصنيع، موارد روسيا في الطاقة، وقطاع الخدمات الهندي، ما يُشكّل تحدياً حقيقياً للسياسات الأميركية. ومع اقتراب المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة والصين في نوفمبر، ويبقى السؤال: هل سيعيد ترامب صياغة سياساته أم سيستمر في تصعيد التوترات؟


