تقارير إسرائيلية تتحدّث عن تحوّل المشروع الصهيوني الموحّد… إلى كيانات متناحرة


بينما يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي «حرب الإبادة» في قطاع غزة، «تواجه إسرائيل هزيمتين محتملتين: الأولى في الميدان العسكري حيث تغرق في مستنقع من المقاومة والمليشيات المتعددة، والثانية – وهي الأخطر – في الداخل، حيث ينفجر النسيج المجتمعي ويتجه نحو حرب أهلية كامنة»، وفق تحليلات داخلية إسرائيلية عميقة، ترسم صورةً لواقع مرير ترفض الحكومة اليمينية الاعتراف به.

1 – التشظي الداخلي: «قبائل إسرائيل» على حافة الحرب الأهلية

يكشف مقال ران أدليست في صحيفة «معاريف» عن صورة قاتمة للوضع الداخلي، الذي لم يعد مجرد انقسام سياسي بل تحول إلى «صراع قبلي وجودي» بين مكونات المجتمع التي لم تعد تتشارك أي أرضية مشتركة.

مجتمع منقسم إلى «كانتونات»:

يصف الكاتب المجتمع الإسرائيلي بأنه تحول إلى قبائل منعزلة: «الحريديم للحريديم»، يعزلون أنفسهم ويستفيدون من المال العام. والعرب في مناطقهم يدافعون عن أنفسهم ضد التمييز. وسكان تل أبيب الليبراليون يتحصّنون في هويتهم الديمقراطية، والمستوطنون في الضفة الغربية المحتلة يعيشون في عالمهم المتطرف بقيادة الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.

إحباط الليبراليين

يشعر القطاع الليبرالي (الذي يُشكل العمود الفقري للجيش والاقتصاد) بأنه «يُسلَب» بشكل منهجي. الميزانيات تُحوَّل لمشاريع المستوطنين والمتدينين، بينما تُنتَهك حقوقه الأساسية مثل حرية التعبير والتظاهر. الحرب الحالية، في نظره، ليست من أجل أمن إسرائيل بل هي «حرب فريضة قتالية» بهدف حماية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من المحاكمة.

خطر حرب أهلية

يحذر الكاتب من أن الصدام المرتقب مع المستوطنين المتطرفين عند أي محاولة لـ«فك ارتباط» مستقبلية لن يكون كسابقة عام 2005 السلمية نسبياً، بل سيكون «عنيفاً مسلحاً بإيمان مشتعل» وقد يطلق حرباً أهلية حقيقية.

2 – الحل المقترح: «الفدرالية» كملاذ أخير

في مواجهة هذا الانهيار، يطرح الكاتب حلاً جذرياً وغير مسبوق في الخطاب الإسرائيلي السائد: تحويل إسرائيل إلى دولة فدرالية من «كانتونات» قائمة على الانقسامات القبلية الحالية. كل كانتون (علماني، متدين، عربي، ومستوطن) حكم نفسه ذاتياً، مع حكومة فيديرالية مركزية مسؤولة عن الجيش والأمن الخارجي. هذا الاقتراح هو اعتراف صارخ باستحالة استمرار نموذج الدولة المركزية الموحدة.

3 – المستنقع العسكري: مغامرة الميليشيات في غزة وكارثتها المحتملة

بالتوازي مع الانقسام الداخلي، يحذر مقال تسفي برئيل في صحيفة «هآرتس» من مغامرة عسكرية خطيرة تقودها إسرائيل في غزة، مستفيداً من الدروس التاريخية المرة.

تجربة الميليشيات: فشل مُعلن سلفاً

يقوم الجيش الإسرائيلي بتجنيد وتدريب وتسليح ميليشيات محلية في غزة (مثل قوات «ياسر أبوشباب» و«رامي حلس») للقيام بمهام «القتل والاغتيالات والأمن».

المقال يحذر بأن هذه الاستراتيجية «تعرض جنود الجيش للخطر» وتجعل إسرائيل تصطدم مع المجتمع الدولي.

دروس التاريخ: السلاح ذو حدين

يستعرض الكاتب أمثلة على فشل هذه الاستراتيجية عبر التاريخ…

– أميركا في سوريا وأفغانستان، حيث حاربت الميليشيات المدعومة أميركياً بعضها البعض، وانقلب سلاحها في النهاية ضد مصالح واشنطن، وساهمت في صعود تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» و«طالبان».

– إسرائيل في لبنان، حيث فشل «جيش لبنان الجنوبي».

– إسرائيل في الضفة الغربية، حيث فشلت «روابط القرى» في الثمانينات.

الواقع في غزة… أكثر خطورة

الوضع في غزة أسوأ، لأنّ البنية الاجتماعية انهارت بالكامل، ولم تعد هناك سلطة عائلية أو قبلية قادرة على السيطرة على المقاتلين. الميليشيات المسلحة، التي ستمتلك سلطة توزيع الغذاء والوقود وتطبيق «القضاء السري»، ستنقلب حتماً على بعضها البعض وستحول غزة إلى ساحة حرب شوارع وفوضى، وقد تنقلب في النهاية على الجيش نفسه الذي دربها وموّلها.

دوامة الهلاك الذاتي

دمج هذين المسارين يقدم تحليلًا كابوسياً للمستقبل:

حرب لا تُربح: الغرق في مستنقع غزة العسكري باستخدام ميليشيات غير موثوقة سيرهق الجيش ويستنزف موارده، من دون أن يحقق «نصراً» حاسماً أو أمناً دائماً.

مجتمع ينهار: استمرار الحرب يغذي الانقسامات الداخلية ويوسع الهوة بين «القبائل»، مما يهدد بانهيار التماسك الوطني ويدفع البلاد نحو مواجهة داخلية.

الحلقة المفرغة: الحكومة الحالية، المحاصرة بالفضائح والمحاكمات، تستخدم الحرب لتمديد بقائها في السلطة، مما يزيد من غضب الليبراليين ويُعمق الانقسام، وفي الوقت نفسه، تستمر في سياسة عسكرية فاشلة في غزة تزيد من عزلتها الدولية وتستنزف قوتها.

الصورة التي ترسمها الصحف الإسرائيلية نفسها هي صورة دولة على حافة الهاوية. ليست المقاومة الفلسطينية وحدها من يهددها، بل الخطر الأكبر يأتي من الداخل: من انهيار المشروع الصهيوني الموحد وتحوله إلى كيانات قبيلة متناحرة، ومن انجرار قيادتها إلى مغامرات عسكرية غير محسوبة العواقب ثبت فشلها عبر التاريخ.

الحرب على غزة لم تُضعف الفلسطينيين فحسب، بل كشفت عن أعمق أمراض المجتمع الإسرائيلي ودفعته إلى مواجهة شبح انهياره من الداخل.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *