في تصعيد كبير قد يكون بداية حرب مدمرة حاول الجميع تجنّبها منذ أكتوبر الماضي، شنّت إسرائيل، أمس، ثلاث موجات على الأقل من القصف الجوي غير المسبوق في لبنان بـ 800 غارة، مستهدفة قلب القرى اللبنانية في أماكن وجود «حزب الله» في منطقتي الجنوب والبقاع (شرق)، بعد أن كانت معظم الضربات تقع خارجها، وهو ما أدى إلى مقتل واصابة مئات اللبنانيين ونزوح عشرات الآلاف باتجاه بيروت.
وفي الموجة الأولى من القصف، التي حدثت في الصباح الباكر، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه شنّ نحو 150 غارة ضد أهداف للحزب المدعوم من طهران في الجنوب والبقاع وصولاً إلى الهرمل، ودعا السكان إلى «الابتعاد» عن مواقع الحزب، للمرة الأولى منذ بدء تبادل القصف بينهما قبل نحو عام.

الدخان يتصاعد من مواقع قصفتها إسرائيل جنوب لبنان (د ب أ)
وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري «ننصح المدنيين في القرى اللبنانية الواقعة في أو قرب مبانٍ ومناطق يستخدمها حزب الله لأغراض عسكرية، مثل تلك المستخدمة لتخزين أسلحة، للابتعاد فوراً عن دائرة الخطر من أجل سلامتهم».
وشدد على أن الجيش سيشنّ المزيد «من الغارات المكثّفة والدقيقة ضد الأهداف الإرهابية التي زرعت بشكل واسع في مختلف أنحاء لبنان».
وفي الموجة الثانية، تركزت الغارات في مختلف أنحاء جنوب لبنان بما في ذلك مناطق صور والنبطية وغيرها.
وأعلن الجيش الاسرائيلي أنه «شن غارات على أكثر من 300 هدف لحزب الله». ونشرت أشرطة مصورة تظهر تعرض منازل سكنية لضربات جوية عنيفة فيما زعمت إسرائيل انها تستهدف فقط منازل خزن فيها الحزب اسلحته.
وسجلت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 300 قتيل على الأقل بحلول المساء بالإضافة إلى إصابة أكثر من 1400 شخص بينهم العشرات من الحالات الحرجة.

مدنيون يفرون بالشاحنات (رويترز)
وفي الموجة الثالثة، قصفت إسرائيل قرى في عمق البقاع بما في ذلك زحلة.
وأوعزت وزارة الصحة إلى المستشفيات الواقعة في الجنوب والشرق وقف العمليات غير الطارئة لإفساح المجال لمعالجة جرحى الغارات. وطلبت في بيان «من جميع المستشفيات في محافظات الجنوب والنبطية وبعلبك الهرمل وقف كل العمليات الباردة بهدف إفساح المجال لمعالجة الجرحى بسبب تمادي العدوان الإسرائيلي على لبنان».
وأعلن وزير التربية عباس الحلبي إغلاق المدارس والجامعات بعد انتقادات لاذعة لقرر الاستمرار بفتحها.
وقالت وزارة الداخلية والبلديات إنها أوعزت بفتح المدارس والمعاهد الرسمية أمام نازحي الجنوب، كما وجهت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي والأجهزة الأمنية كلها لمواكبة عمليات النزوح والإيواء، ومساعدة المواطنين اللبنانيين وحفظ الأمن والنظام والمحافظة على الممتلكات العامة والخاصة.
وعبر وزير الداخلية بسام المولوي في مقابلة تلفزيونية عن أمله في «ألا يتحول لبنان الى غزة ثانية».
وطالبت قوات اليونيفيل الأممية من موظفيها المدنيين مغادرة منطقة جنوب الليطاني، فيما ندّد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي بما وصفه بـ»مخطط يهدف إلى تدمير القرى والبلدات اللبنانية والقضاء على كل المساحات الخضراء»، واصفاً العدوان الإسرائيلي بأنه «حرب إبادة».
من ناحيته، أعلن «حزب الله» أنه قصف المخازن الرّئيسيّة التّابعة للمنطقة الشّماليّة في قاعدة نيمرا، مقر الكتيبة الصاروخية والمدفعية في ثكنة يوآف وقاعدة رامات دافيد في مرج بن عامر، كما أطلق عدة رشقات صاروخية وصل بعضها إلى تل أبيب ووسط إسرائيل.
وأصيب مصنع ومنازل في مناطق متفرقة من الجليل. وسمعت أصوات انفجارات ضخمة في حيفا والكرمل، كما سقطت صواريخ في محيط مستوطنات شرق قلقيلية.
عملية برية
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الجيش يقوم «بتغيير التوازن الأمني» في شمال إسرائيل بعد الضربات على لبنان. وأضاف من خندق لسلاح الجو في وزارة الدفاع، «لقد وعدت بأننا سنغير التوازن الأمني، توازن القوى في الشمال وهذا تحديداً ما نقوم به» مضيفاً أن «إسرائيل لا تنتظر التهديد، بل تستبقه»، وحذر من «أننا على أعتاب أيام معقدة».
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يؤآف غالانت أشار إلى «مرحلة جديدة في القتال»، داعياً الإسرائيليين إلى «إظهار رباطة الجأش والتحلي بالهدوء في الأيام المقبلة». ومساء اعلنت اسرائيل عن حالة طوارئ خاصة في كافة مناطق البلاد.
ولم يستبعد متحدث عسكري إسرائيلي احتمال شن توغل بري، وقال إن إسرائيل بدأت هجوماً جوياً واسع النطاق في لبنان لكنها ستفعل ما يلزم لحماية سكانها. ونقلت صحيفة «إيكونوميست» عن مصادر عسكرية قولها إن إسرائيل تخطط لهجوم بري يشمل الاستيلاء على مناطق من بضعة أميال في عمق أراضي لبنان إلا أن وكالة أسوشييتد برس نقلت عن مسؤول آخر تشديده على أن التركيز حالياً منصب على العمليات الجوية وليست هناك خطط فورية لعملية برية. ونقل موقع «والاه» العبري عن قادة كبار بالجيش الإسرائيلي تأكيدهم جاهزية القوات للشروع في عملية برية.
وتصاعد النزاع بعد تأكيد إسرائيل أنها نقلت «ثقل» المعركة من الجنوب حيث قطاع غزة إلى الشمال مع حزب الله.
وتلقّى الحزب سلسلة ضربات في الأيام الأخيرة، شملت تفجير آلاف أجهزة الاتصال التي يستخدمها عناصره يومي الثلاثاء والأربعاء في عملية نسبها لإسرائيل، وغارة جوية قرب بيروت استهدفت اجتماعاً لقيادة قوات النخبة التابعة له أسفرت عن مقتل نحو 50 شخصاً بينهم قائدان عسكريين بارزان وعدد من رفاقهما، إضافة الى ضربات جوية مكثفة من سلاح الجو الإسرائيلي على أهداف في جنوب لبنان خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وأعلن الحزب استهداف مجمعات للصناعات العسكرية وقاعدة إسرائيلية قرب مدينة حيفا، في عمليات أكد أنه استخدم فيها صواريخ هي الأبعد مدى منذ بدء النزاع الحالي بينه وبين الدولة العبرية.
وخلال تشييع إبراهيم عقيل، قائد قوة الرضوان النخبوية في حزب الله الأحد، أكد نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أن التنظيم دخل في «مرحلة جديدة» من القتال مع اسرائيل، عنوانها معركة «الحساب المفتوح».
وشدد على أن التهديدات الإسرائيلية «لن توقفنا» مضيفاً «نحن مستعدون لمواجهة كل الاحتمالات العسكرية».
ووصل الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت أمس. وحسب المعلومات فقد أوصل الفرنسيون رسالة إلى المسؤولين اللبنانيين بأن تل أبيب لا ترغب بالحرب وأنه لا بد من الضغط على حزب الله للموافقة على حل دبلوماسي فوري من خلال فصل جبهة لبنان عن جبهة غزة. ومن المتوقع أن يصل وفد استخباري تركي ـ قطري الى العاصمة اللبنانية سعياً للتوصل إلى حل وتجنب توسع الحرب.
ويأتي التصعيد بعد نحو أسبوع من تأكيد الحكومة الإسرائيلية أن أهداف الحرب التي تخوضها في غزة، توسعت لتشمل إعادة عشرات آلاف السكان إلى الشمال، بعد نزوحهم جراء تبادل القصف مع حزب الله خلال الأشهر الماضية. وسبق لمسؤولين في حزب الله أن أكدوا أن وقف التصعيد على جبهة لبنان هو رهن «وقف العدوان» على غزة.
وأعلن الكرملين أنه أنه «قلق للغاية». وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف «الوضع يتدهور كل يوم سريعاً. التوتر يتصاعد كذلك عدم القدرة على معرفة مسار الأمور. هذا يشعرنا بقلق للغاية».
وحضّت الصين رعاياها على مغادرة إسرائيل «في أسرع وقت ممكن». وكانت الولايات المتحدة، الحليفة الرئيسية لإسرائيل، حضّت مواطنيها على مغادرة لبنان، مؤكدة في الوقت عينه مواصلة العمل على لجم التصعيد.
