اعتبر تقرير «الوطني للثروات»، أن مفهوم المخاطر لدى المستثمرين، غالباً ما يرتبط بفكرة التقلّب، أي التغيّرات السريعة في أسعار الأصول على المدى القصير. ويُنظر عادةً إلى الاحتفاظ بالنقد كخيار آمن بفضل استقرار قيمته الاسمية وسيولته العالية، في حين تُعتبر الأسهم أكثر الأدوات الاستثمارية عرضة للتقلب والمخاطر نظراً لتغير أسعارها اليومية وتأثرها المباشر بالأزمات المالية.
ويلفت تقرير «الوطني للثروات» ضمن سلسلة «قيادة الفكر»، إلى أن هذا التصور الذي يبدو منطقياً، يبدأ بالتغيّر عند إدخال عاملي أفق الاستثمار الزمني ومعدلات التضخّم إلى الصورة؛ فالطرق التي تبدو آمنة على المدى القصير قد تُضعف القيمة الحقيقية للثروة بمرور الوقت، بينما قد تتحوّل الأصول التي تُعدّ اليوم أكثر تقلباً إلى الوسيلة الأنجح للحفاظ على الثروة على المدى الطويل.
وأشارت «الوطني للثروات» إلى أن المشكلة الجوهرية في الاحتفاظ بالنقد تكمن في التضخّم. فمع بلوغ متوسط معدّل التضخم في الولايات المتحدة نحو 2.5 % سنوياً خلال العقدين الماضيين، تراجعت القوة الشرائية للنقد بما يقارب 40 % خلال تلك الفترة. وبالنسبة للمستثمرين الذين احتفظوا بالنقد أو بسندات قصيرة الأجل خلال هذه الفترة، لم تتجاوز العوائد الحقيقية لتلك الأصول 1.7 % في المتوسط، فهم في الواقع واجهوا خسائر تدريجية غير محسوسة في ثرواتهم.
ونقيض ذلك، يعتبر التقرير أن الأسهم تُظهر سلوكاً مختلفاً تماماً. فالتقلّب قصير الأجل فيها واقع لا يمكن إنكاره، إذ تراجع مؤشر «S&P 500» بنحو 57 % بين أكتوبر 2007 ومارس 2009، إلا أن الأداء التاريخي عبر المدى الطويل يؤكد أن الأسهم الأميركية لطالما واصلت تحقيق عوائد حقيقية إيجابية ومستمرة.
تعريف المخاطر
ولفتت «الوطني للثروات» إلى أن الخطر يعرّف عادةً بالتقلّب، أي الانحراف المعياري للعوائد. لا تكمن الخطورة الفعلية بالنسبة للمستثمرين الأفراد والمؤسسات في تقلّبات الأسعار قصيرة المدى، بل في العجز عن تحقيق الأهداف المالية بعيدة المدى. فالمستثمر الذي يدّخر للتقاعد، مثلًا، ينبغي أن ينشغل بدرجة أكبر بالحفاظ على القوة الشرائية لمحفظته خلال العقدين المقبلين، لا بالتغيرات اليومية في السوق. ومن هذا المنطلق، إن أي تقييم لا يراعي الأفق الزمني للاستثمار يُعدّ غير مكتملاً ومضللاً.
ولذلك، يعد المدى الزمني غاية في الأهمية إن لم يكن الأهم:
• المدى القصير (من 0 إلى 3 سنوات): التركيز على السيولة والحفاظ على رأس المال.
• المدى المتوسط (من 3 إلى 10 سنوات): التوازن بين النمو والاستقرار.
• المدى الطويل (أكثر من 10 سنوات): إعطاء الأولوية للتراكم الرأسمالي والحماية من التضخّم.
النقد والسندات
ويشير التقرير إلى أن النقد يُعدّ أصلاً مثالياً للمدى القصير: ثابت القيمة الاسمية، فوري السيولة، ومقبول عالمياً. إلا أنّ هذا الأمان الظاهري يُخفي ضعفاً جوهرياً يتمثل في تآكل قيمته الحقيقية بفعل التضخّم.
أما بالنسبة إلى السندات، فتوفر حماية جزئية من خلال تدفقات الدخل الثابت. وعلى مدى القرن الماضي، حققت السندات الحكومية الأميركية طويلة الأجل عوائد حقيقية تقارب 2 %، لكنها تتأثر سلبًا عندما يرتفع التضخّم بشكل مفاجئ. وتبقى سبعينات القرن الماضي مثالًا بارزًا على كيفية تكبّد حاملي السندات عوائد حقيقية سلبية لسنوات بسبب موجات التضخّم المرتفعة.
ورغم ذلك، يظل النقد والسندات عنصرين أساسيين لتحقيق السيولة قصيرة الأجل والاستقرار متوسط الأجل، غير أن ما يوفرانه من أمان يتلاشى عند مقارنته بقدرة محدودة على الحفاظ على الثروة الحقيقية على المدى الطويل.
الأسهم
ويصنف التقرير الأسهم في فئة الأصول عالية المخاطر، نظراً لتقلّبات أسعارها وتأثرها بالأزمات المالية. ومع ذلك، تُظهر البيانات التاريخية أن الأسهم الأميركية حققت عوائد حقيقية سنوية تتراوح بين 6 % و7 % على المدى الطويل، متفوّقة بوضوح على كلٍّ من السندات والنقد السائل. كما يتضح أن مستويات التقلّب تتناقص تدريجياً مع امتداد أفق الاستثمار؛ إذ تبلغ احتمالية تسجيل عائد سلبي خلال عام واحد نحو 25 %، لكنّها تنخفض إلى أقل من 10 % عند قياس الأداء على مدى 10 سنوات أو أكثر.
وأرجع التقرير الأداء المستدام للأسهم إلى قوة التأثير التراكمي للعائدات (Compounding)، حيث تؤدي إعادة استثمار الأرباح النقدية ونمو الأرباح التشغيلية إلى تعزيز القيمة السوقية للأصول بمرور الوقت، ما يجعل الأسهم قادرة على مجاراة التضخّم، بل وتجاوزه في كثير من الأحيان. قد تكون فترات الانكماش السوقي حادة على المدى القصير، إلا أنها غالباً ما تكون موقتة. فالمستثمر الذي دخل السوق في ذروته عام 2007 وتكبّد خسارة تقارب 50 % بحلول 2009، استعاد كامل رأسماله بحلول 2013، وحقق مضاعفة في القيمة بحلول عام 2019. أما من احتفظ بالنقد خلال الفترة ذاتها، فقد شهد ببساطة تآكل قوته الشرائية نتيجة التضخّم المستمر.
تعزيز كفاءة الاستثمار
وأشار التقرير إلى أنّ هذه المعطيات تحمل دلالات مهمة في مجال بناء المحافظ الاستثمارية وتقديم الاستشارات المالية، على النحو التالي:
– ينبغي على المستثمرين تحديد استراتيجياتهم بما يتوافق مع أهدافهم الزمنية. فالأدوات قصيرة الأجل مثل النقد أو السندات قصيرة المدة تناسب الاحتياجات الفورية (دفعة مقدمة على سبيل المثال لعقار أو سيارة)، بينما تشكّل الأسهم المكوّن الرئيسي للمحافظ طويلة الأجل، نظراً لقدرتها على الحفاظ على القوة الشرائية وتنميتها مع مرور الوقت (كتمويل التقاعد أو تنمية الثروة عبر الأجيال) فيُفضَّل أن تشكّل الأسهم المكوّن الرئيسي للمحفظة، نظرًا لسجلّها التاريخي القوي في الحفاظ على القوة الشرائية وتنميتها.
– بناء قدرة المستثمرين على التفريق بين التقلّب باعتباره حركة سعرية موقتة، والمخاطر باعتبارها احتمال الفشل في تحقيق الأهداف المالية المستقبلية. فبدلاً من سؤال «ما مدى قدرتك على تحمّل التقلّب؟»، من الأنسب طرح سؤال «ما احتمال أن تلبّي احتياجاتك المستقبلية في الإنفاق؟».

