
تشير الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي، أمس، لما يُعرف بـ «الخط الأصفر» في جنوب لبنان إلى أن تل أبيب تمضي في تحضير ميداني وسياسي لتغيير جذري في الوقائع القائمة، لا في الجنوب فحسب، بل في معادلة العلاقة مع لبنان ككل.
وتُظهر الخريطة، التي قسمت المناطق التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان إلى 3 مناطق، في دلالاتها الأوسع، توجّهاً نحو تكريس ضم فعلي لمناطق لبنانية وربطها جغرافياً بالمناطق التي تسيطر عليها تل أبيب في جنوب سورية، ضمن ما تعتبره «حيزاً حيوياً» تسعى إلى الاحتفاظ به وإدارته على المدى الطويل.
والأكثر دلالة أن هذه هي المرة الأولى التي يعرض فيها الجيش الإسرائيلي بشكل صريح خريطة تتضمن امتداداً إلى جزء من المياه الإقليمية اللبنانية، بما ينطوي عليه ذلك من تعديل أحادي لخط ترسيم الحدود البحرية، إذ يصل الخط الذي رسمته إسرائيل إلى نقطة رأس البياضة، التي تصفها بـ «خط الدفاع الأمامي»، في خطوة تُعد عملياً تجاوزاً لاتفاق ترسيم الحدود البحرية المبرم عام 2022. وحتى في حال التوصل إلى اتفاق لاحق عبر المفاوضات، تبدو تل أبيب ساعية إلى فرض أمر واقع بحري مسبق، من خلال دفع لبنان نحو ترتيبات مشتركة أو شبه تحالف بحري، خصوصاً فيما يتعلق ببلوكات الغاز وعمليات الاستكشاف والاستخراج والتصدير.
تشير مجمل هذه المعطيات إلى أن المقاربة التي تعتمدها تل أبيب في هذه المرحلة تمثّل قطيعة مع أنماطها السابقة في التعامل مع الجنوب اللبناني، إذ يبدو أنها أعادت تقييم تجاربها الماضية بوصفها غير ناجحة، سواء تجربة الاحتلال المباشر بين عامي 1978 و2000، أو نموذج «الشريط الحدودي» القائم على دعم فصائل محلية لحماية حدودها. وانطلاقاً من ذلك، تتجه إسرائيل نحو بلورة صيغة جديدة، أقرب إلى نموذج هجين مستوحى من تجربتها في قطاع غزة، يقوم على فرض سيطرة متفاوتة المستويات على الأرض، سواء بشكل مباشر أو عبر أدوات أمنية ونارية.
في هذا السياق، تتكاثر الطروحات حول آليات إدارة هذه المناطق، في ظل سعي إسرائيلي واضح لمنع عودة السكان إليها، ورفض استمرار وجود قوات «يونيفيل». وفي المقابل، تبرز مقترحات دولية تدعو إلى نشر قوة متعددة الجنسيات بقرار من مجلس الأمن، لضبط الوضع الأمني والإشراف على المرحلة الانتقالية. كما تعود إلى الواجهة أفكار سابقة تتعلق بإمكانية تولّي الولايات المتحدة دوراً مباشراً في الإشراف العسكري على هذه المناطق، في إطار ترتيبات أوسع تهدف إلى إعادة تنظيم الواقع الحدودي بما يتناسب مع التوازنات الجديدة التي تسعى تل أبيب إلى فرضها.
في المقابل، تدفع واشنطن باتجاه منطقة اقتصادية عابرة للحدود، وهي فكرة سبق أن طُرحت أيضًا في سياق بعض المناطق بجنوب سورية، على قاعدة ربطها جغرافياً واقتصادياً بما يسمح لإسرائيل وسورية ولبنان بالاستفادة من مشاريع مشتركة، خصوصًا في مجالات الطاقة والبنية التحتية.
وفي موازاة ذلك، يطرح الجانب الإسرائيلي على الأميركيين تصوّراً يقوم على اعتبار هذه الأراضي «مناطق مشتركة» تُدار عبر هيكلية مركّبة، من خلال مجلس مدني – عسكري – أمني يتولى الإشراف على إدارتها، في صيغة تعكس محاولة لإضفاء طابع مؤسساتي على واقع ميداني جديد.
وفي سياق أوسع، يأتي هذا الحراك ضمن مساعي الولايات المتحدة لفصل لبنان تدريجياً عن إيران، عبر الدفع نحو مسار تفاوضي منظم.
وفي هذا الإطار، عاد السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، إلى العاصمة اللبنانية لعقد سلسلة لقاءات مع المسؤولين، على أن يلتقي اليوم الاثنين الرؤساء الثلاثة لبحث تشكيل وفد تفاوضي موحّد والتحضير لجلسات التفاوض المرتقبة. كما يُتوقع أن تتناول المشاورات مع رئيس الجمهورية جوزيف عون مسألة توجيه دعوة رسمية له من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لزيارة البيت الأبيض، في خطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز البعد البروتوكولي، وتندرج ضمن محاولة إعادة رسم موقع لبنان في التوازنات الإقليمية.
ومن جهته، يتمسك عون بموقفه المعلن القائم على أولوية الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية واستكمال ترسيم الحدود، باعتبارهما المدخل الأساس لأي عملية تفاوضية، مع التشديد على ضرورة توفير ضمانات دولية واضحة لتنفيذ أي اتفاق. وبالتوازي، تنشط الكواليس السياسية اللبنانية في اتجاه بلورة خريطة طريق موحدة للمطالب التفاوضية، إلى جانب العمل على تشكيل وفد رسمي قادر على إدارة هذا المسار المعقّد.
وفيما تبدو الولايات المتحدة اللاعب المحوري في رعاية المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، والساعية إلى صياغة ترتيبات جديدة للحدود الجنوبية وآليات إدارتها أمنيًا وعسكريًا، يبرز في المقابل ملف سلاح «حزب الله» كأحد أكثر الملفات حساسية، مما يستدعي تفاهمات متداخلة على المستويين الداخلي والخارجي.
وفي موازاة ذلك، تبرز حاجة لبنان إلى مظلة دعم إقليمية وعربية لمواكبة أي اتفاق محتمل، سواء لناحية ضمان التنفيذ أو فيما يتعلق بملفات إعادة الإعمار وتوفير المساعدات الاقتصادية، فضلاً عن الدفع نحو تسوية سياسية داخلية متماسكة تحول دون أي انفجار جديد.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور السعودي بوصفه عنصراً وازناً في تثبيت الاستقرار، عبر الدفع باتجاه تكريس القواعد الكفيلة بحماية اتفاق الطائف واستكمال تطبيقه كمرجعية أساسية لتنظيم الحياة السياسية في البلاد.
