
استبعد بعض المراقبين أن توفر الهدنة بين واشنطن وطهران لمدة أسبوعين تعافياً فورياً لصناعة الطيران العالمية، التي تعاني أسوأ أزمة لها منذ سنوات، رغم ارتفاع أسهم شركات الطيران بعد إعلان الهدنة.
وحذر هؤلاء المراقبون من أن استعادة إمدادات وقود الطائرات قد تستغرق شهوراً حتى إذا أعادت إيران فتح مضيق هرمز، نظراً إلى الاضطرابات في قدرة التكرير بالشرق الأوسط.
إحدى شركات الطيران توقعت أرباحاً أقل من المتوقع للربع الثاني، وأعلنت خفض القدرة التشغيلية في كل المجالات لتعويض نحو ملياري دولار إضافية من تكاليف الوقود التي تتوقع تسجيلها في الربع نفسه.
ولعل الوقود ثاني أكبر بند تكلفة لشركات الطيران بعد العمالة، حيث يشكل عادة نحو 27% من النفقات التشغيلية، وقد أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى خنق إمدادات وقود الطائرات عالمياً، وأدى إعلان الهدنة وإمكانية المرور الآمن عبر المضيق إلى ارتفاع أسهم شركات الطيران.
وشهدت أسعار النفط انخفاضاً بعد إعلان ترامب التوصل إلى هدنة مع إيران، مع شرط إعادة فتح المضيق بشكل فوري وآمن، لكن تصريحات التنفيذيين والخبراء في الصناعة أظهرت أن شركات الطيران ما تزال تعاني ارتفاع أسعار وقود الطائرات إلى أكثر من ضعفي ما كانت عليه قبل الصراع، إضافة إلى القلق من محدودية الإمدادات.
وكانت شركات الطيران حول العالم قد رفعت أسعار حجوزاتها، وقلَّصت عدد الرحلات، وحملت وقوداً إضافياً من المطارات الأصلية، وأضافت محطات لتعبئة الوقود، مع تزايد الضغط على الإمدادات بسبب الصراع في الشرق الأوسط.
وقال بعض المتخصصين إنه بينما يتوقع انخفاض أسعار النفط الخام، فإن تكلفة وقود الطائرات من المرجح أن تبقى مرتفعة قليلاً نتيجة التأثير على المصافي، مشيرين إلى أنه حتى لو أُعيد فتح مضيق هرمز وبقي مفتوحاً، فإن استعادة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية ستستغرق شهوراً، نظراً إلى الاضطرابات في قدرة التكرير بالشرق الأوسط.
وعادة ما تتحرك أسعار وقود الطائرات بالتوازي مع أسعار النفط، لكنها تضاعفت أكثر من مرتين منذ اندلاع الصراع الإيراني، متجاوزة زيادة النفط الخام بنسبة 50% قبل الهدنة.
وقد أدى ذلك إلى زيادة التكاليف، وتعطيل الجداول الزمنية، ودفع شركات الطيران لتقليص المسارات، ودفع حدود ما يمكن للمسافرين حمله.
وفي حين لا يزال انقطاع إمدادات وقود الطائرات يشكل خطراً، اعتبرت الهدنة “فرصة شراء لشركات الطيران الجيدة”.
تعافي السياحة
وحتى مع إمكانية إعادة فتح الممرات الرئيسية للسفر نتيجة الهدنة، ستستغرق صناعة السياحة في الشرق الأوسط، التي تبلغ قيمتها نحو 367 مليار دولار، وقتاً للتعافي.
ووفقاً لأفضل السيناريوهات، فإن تعافي صناعة السياحة قد يستغرق شهوراً، بسبب التأثير النفسي الذي قد يستمر عدة أشهر بعد الهدنة، حيث يعود شعور الأمان تدريجياً وببطء.
وقال الاتحاد الدولي للنقل الجوي “أياتا” إن عودة إمدادات وأسعار وقود الطائرات إلى وضعها الطبيعي ستستغرق شهوراً حتى مع إعادة فتح مضيق هرمز، وسوف يستغرق الأمر شهوراً أخرى للعودة إلى مستويات الإمداد المطلوبة، نظراً لتعطل طاقة التكرير في الشرق الأوسط.
وأشار مراقبون إلى أن شركات الطيران لا تزال تمتلك أدوات عديدة، لكن الإجراء الفوري سيكون تمرير ارتفاع التكاليف إلى أسعار التذاكر.
وذكروا أن الأزمة الحالية لا يمكن مقارنتها بما شهده قطاع الطيران خلال جائحة كورونا، وتوقع تراجع أسعار النفط الخام، إلا أن أسعار وقود الطائرات ستبقى مرتفعة نسبياً بسبب تأثير الاضطرابات على المصافي.
وقبل اندلاع الحرب كان قطاع الطيران يتوقع أرباحاً غير مسبوقة تبلغ 41 مليار دولار في 2026، لكن ارتفاع أسعار وقود الطائرات إلى المثلين يهدد ذلك ويجبر شركات الطيران على إعادة النظر في شبكاتها واستراتيجياتها.
وأعدت طيران “لوفتهانزا”، أكبر شركة طائرات أوروبية خططاً تشمل إمكانية إيقاف الطائرات عن العمل في حال انخفاض الطلب وتصاعد أسعار الوقود بسبب الحرب على إيران، مشيرة إلى أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز أدى إلى احتجاز حصة كبيرة من شحنات وقود الطائرات العالمية، ودفع المصافي في آسيا إلى تخفيض الإنتاج.
كما قررت الخطوط الجوية الصينية رفع رسوم الوقود الإضافية للرحلات الداخلية.
أسعار التذاكر
ولجأت شركات الطيران العالمية إلى رفع أسعار التذاكر وخفض السعة التشغيلية للتعامل مع الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط، لكن قدرة القطاع على الحفاظ على الربحية قد تعتمد على ما إذا كان المستهلكون سيتوقفون عن السفر بالطيران مع تهديد تكاليف البنزين لميزانيات الأسر.
وقفزت أسعار تذاكر الرحلات الطويلة بين آسيا وأوروبا بنسب حادة، وسط توقعات باستمرار الضغوط طوال فصل الصيف وحتى الخريف.
وحسب التقارير، ارتفعت أسعار التذاكر على بعض المسارات الرئيسية بين آسيا وأوروبا بما يصل إلى 560% خلال مارس، فيما بلغ متوسط أسعار رحلات شهر يونيو على سبعة مسارات بين آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا نحو 70% فوق مستويات الفترة نفسها من العام الماضي استنادا لبعض التحليلات.
ولا تبدو مؤشرات الانفراجة قريبة، حيث تشير التقديرات إلى أن الأسعار قد تبقى أعلى بنحو 30% من مستويات العام الماضي حتى أكتوبر.
«لوفتهانزا» الألمانية تلغي 20 ألف رحلة جوية لتوفير وقود الطائرات
أعلنت شركة الطيران الألمانية “لوفتهانزا”، الثلاثاء، إلغاء 20 ألف رحلة قصيرة المدى، عبر شبكتها حتى أكتوبر المقبل، في خطوة تهدف إلى “توفير وقود الطائرات” بما يتجاوز 40 ألف طن متري، في ظل ارتفاع أسعار الوقود عالمياً، منذ اندلاع حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز الحيوي الذي يمر عبره خمس الإنتاج العالمي من الطاقة.
وأشارت الشركة الألمانية العملاقة، حسبما أوردت مجلة “بوليتيكو” في نسختها الأوروبية، إلى أن تكاليف وقود الطائرات “تضاعفت”، موضحة أنه تم إلغاء أول 120 رحلة، ضمن خطط الشركة، الاثنين.
وأضافت “لوفتهانزا”، أن “تخطيط الرحلات على المدى المتوسط للأشهر المقبلة يجري مراجعته في ضوء خفض السعة، وسيتم نشره في أواخر أبريل أو أوائل مايو”، مشيرة إلى أنه تم إخطار الركاب المتأثرين.
وستؤثر عمليات الإلغاء المتعلقة بـ20 ألف رحلة، التي تشمل رحلات كانت تُشغل سابقاً بواسطة “سيتي لاين” التابعة لنفس الشركة، على مراكز التشغيل في فرانكفورت وميونخ وزيورخ وفيينا وبروكسل وروما، وستؤدي إلى “تقليص عدد الرحلات القصيرة غير المربحة”.
ويأتي هذا القرار عقب إعلان “لوفتهانزا” الأسبوع الماضي، سحب كامل أسطول شركتها “سيتي لاين”، البالغ 27 طائرة، من الخدمة قبل الموعد المقرر، وذلك في ظل ارتفاع تكاليف الوقود وتراجع الإمدادات.
وأشارت الشركة الألمانية إلى أن “إمدادات وقود الطائرات لدى المجموعة مؤمّنة للأسابيع المقبلة”.
وأعلنت شركات طيران أخرى إجراءات مماثلة، إذ ألغت الخطوط الجوية الاسكندنافية SAS نحو ألف رحلة بسبب ارتفاع تكاليف الوقود، فيما فرضت مجموعة Air France-KLM رسوماً إضافية بقيمة 100 يورو على تذاكر الرحلات الطويلة.
