تحول نوعي في أداء البورصات الخليجية وقت الأزمات



شهدت البورصات الخليجية خلال السنوات الاخيرة قدرة ملحوظة على امتصاص العديد من الصدمات والأزمات المتتالية التي مر بها الاقتصاد العالمي، سواء كانت ناتجة عن توترات جيوسياسية أو حروب إقليمية أو عالمية أو حتى من سياسات اقتصادية مثل الرسوم الجمركية والتغيرات في سلاسل الإمداد.

ورغم حدة هذه الأحداث وتكرارها خلال فترات متقاربة فإن أسواق المال في دول مجلس التعاون الخليجي استطاعت أن تحافظ على درجة من التوازن النسبي في أدائها، وأن تتجنب التراجعات الحادة أو حتى الانهيارات التي كانت تشهدها في عقود سابقة، وهو ما يعكس تطوراً في بنية هذه الأسواق من حيث التنظيم والسيولة، وعمق قاعدة المستثمرين.

وبرزت مفارقة لافتة بين أداء الأسواق خلال الحرب الأخيرة الدائرة في المنطقة بين الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى، وما أسفر عنها من عدوان غاشم وغادر من إيران على دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تمكنت بعض البورصات الخليجية من تحقيق مكاسب، فيما تمكنت الأخرى على الحفاظ على مستوياتها بشكل مستقر.

وربح السوق السعودي خلال شهر مارس نحو 5.05 في المئة، فيما ربح سوق مسقط نحو 10.48 في المئة، بينما حققت باقي الأسواق خسائر متفاوتة أقلها كان لبورصة الكويت بنحو 1.82 في المئة.

وتصدر سوق دبي قائمة الأسواق الأكثر خسارة بنسبة 16.44 في المئة، يليه مؤشر سوق أبوظبي بنسبة 10.55 في المئة، ثم بورصة قطر والبحرين بنسبة 7.8 في المئة لكل منهما.

ويعكس هذا التباين اختلاف مستويات السيولة وعمق السوق وهيكل المستثمرين في كل سوق، الى جانب اختلاف درجة تأثير العوامل الخارجية على كل اقتصاد محلي، ما يؤكد في الوقت نفسه مرونة المنظومة المالية الخليجية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات المحيطة.

إصلاحات ما بعد الأزمة المالية

وشهدت أسواق المال الخليجية بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، مرحلة مهمة ومتغيرات عديدة منها انشاء هيئات خاصة مسؤولة عنها واعادة الهيكل التنظيمي، واستحداث العديد من القوانين والتشريعات الأكثر صرامة التي ركزت على تعزيز متطلبات الحوكمة للشركات المدرجة، ورفع معايير الإفصاح المالي، وتطبيق انظمة ادارة المخاطر بشكل اكثر دقة.

وساهمت تلك الخطوات في قدرة الأسواق المالية على الصمود امام التحديات، حيث لاتزال تعمل على تطوير الأطر القانونية والتشريعية بشكل مستمر، بالإضافة الى تعزيز مستويات الشفافية، والافصاح الإلزامي للشركات المدرجة.

وشددت الهيئات التنظيمية لأسواق المال الخليجية الرقابة على عمليات التداول ومنع الممارسات غير العادلة مثل التلاعب بالأسعار أو التداولات الوهمية، الأمر الذي ساهم في رفع مستوى الثقة لدى المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء. 

بيئة استثمارية… أكثر نضوجا

وفي ظل هذا التطور التنظيمي، تمكنت البورصات الخليجية من بناء بيئة استثمارية أكثر نضوجا مقارنة بالفترات السابقة، وتخلصت من الشركات الورقية او ما تسمى بشركات “العفن”، مما دفع باقي الشركات إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الاستثمارية، واتجهت العديد منها الى تنويع مصادر دخلها والابتعاد عن التركيز في قطاع واحد أو نشاط محدود، الأمر الذي عزز من قدرتها على مواجهة التقلبات الاقتصادية.

ومع هذه التطورات أصبحت الشركات المدرجة تعمل ضمن اطار واضح من القوانين التي تحدد حقوق والتزامات جميع الأطراف، اذ ساهمت هذه البيئة في جذب شريحة اكبر من المستثمرين المؤسسيين مثل الصناديق السيادية وصناديق التقاعد وشركات الاستثمار، الذين يلعبون دورا محوريا في استقرار الأسواق وتقليل حدة التقلبات.

وانعكس ذلك في استقطاب وجذب بورصات الخليج شريحة واسعة من الاستثمارات الأجنبية، لتصبح محط انظار العديد من المستثمرين العالميين وصناديق الاستثمار الدولية التي تبحث عن أسواق تتسم بالاستقرار وبالنمو بذات الوقت.

ومما ساعد في جذب المزيد من تلك الاستثمارات منح الأسواق للمستثمرين الأجانب مميزات عديدة منها تسهيل قواعد التملك الأجنبي، ورفع نسب الملكية المسموح بها لغير المواطنين، إلى جانب الإدراجات في المؤشرات العالمية، ما عزز من مكانة هذه الأسواق على الخريطة الاستثمارية الدولية.

التداولات المؤسسية ساهمت في امتصاص الصدمات 

وكانت نتيجة تلك الإصلاحات زيادة حجم التداولات المؤسسية في البورصات، وهذا يعد من أبرز العوامل التي ساهمت في امتصاص الصدمات خلال فترات الأزمات، سواء كانت أزمات ناتجة عن حروب أو توترات سياسية أو حتى تقلبات اقتصادية عالمية.

ففي السابق كانت الأسواق تعتمد بشكل كبير على التداولات الفردية والتي غالبا ما تتسم بالقرارات العاطفية وسرعة الاستجابة للاخبار السلبية، مما يؤدي الى موجات بيع جماعية وتذبذبات حادة في المؤشرات. 

أما في الوقت الحالي فقد أصبحت المؤسسات الاستثمارية أكثر حضورا، وهي تعتمد على استراتيجيات مدروسة وطويلة الأجل تقلل من تأثير العوامل النفسية على قرارات التداول.

وقد ساعد هذا التحول في طبيعة المستثمرين على الحد من حالات الهلع التي كانت تحدث خلال الأزمات، حيث تعمل المحافظ الاستثمارية والصناديق المؤسسية على امتصاص جزء كبير من عمليات البيع العشوائية، مما يساهم في تحقيق قدر من التوازن داخل السوق، كما ان وجود صناع سوق ومؤسسات مالية كبيرة يوفر مستويات سيولة أعلى، الأمر الذي يسهل عمليات البيع والشراء دون إحداث اضطرابات كبيرة في الأسعار.

ورغم التحديات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة والعالم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك النزاعات المسلحة والتوترات التجارية وفرض الرسوم الجمركية بين عدد من الاقتصادات الكبرى، فإن البورصات الخليجية استطاعت أن تواصل أداءها بشكل متماسك نسبيا، مستندة على قوة الاحتياطيات المالية، واستقرار اسعار النفط في فترات عديدة، بالإضافة الى السياسات الاقتصادية التي تهدف الى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على قطاع واحد.

وفي المجمل، يمكن القول إن البورصات الخليجية قد انتقلت من مرحلة الاعتماد على ردود الأفعال السريعة والتقلبات الحادة الى مرحلة اكثر نضجا واستقرارا، مدفوعة بتطور التشريعات، وزيادة دور المستثمرين المؤسسيين، وتحسن مستويات الحوكمة والشفافية.

وعلى الرغم من استمرار وجود التحديات العالمية التي قد تؤثر على الأسواق من حين لآخر، فإن القدرة التراكمية التي اكتسبتها هذه البورصات خلال السنوات الماضية جعلتها أكثر جاهزية للتعامل مع الأزمات وامتصاص تداعياتها بشكل أكثر كفاءة مما كانت عليه في السابق.

شركة تكنولوجيا سعودية تمضي في طرح أسهمها رغم حرب إيران

تمضي شركة خدمات تكنولوجيا المعلومات السعودية (دار البلد لحلول الأعمال) قُدماً في خططها للإدراج بسوق الأسهم في المملكة، رغم الاضطرابات الناجمة عن الصراع الإقليمي.

يعتزم أحد مساهمي الشركة طرح 21 مليون سهم، تمثل حصة قدرها 30 في المئة، وفق بيان صدر أخيراً. وستُجرى عملية بناء سجل الأوامر للمؤسسات بين 26 و30 أبريل، مع تولِّي كل من «الجزيرة كابيتال» و«الإمارات دبي الوطني» ترتيب الطرح.

ومن المتوقع أن يجمع الطرح العام الأولي أقل من 75 مليون دولار، وفق أشخاص مطلعين على الأمر. ولم يستجب ممثلو الشركة لطلب التعليق.

تُعد «دار البلد» أول شركة في منطقة الخليج تُطلق عملية بيع أسهم منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير.

أظهرت الأسهم السعودية مرونةً خلال فترة الصراع، حيث ساهمت أسعار النفط المرتفعة في دعم شركات كبرى مثل «أرامكو»، رغم تأثر الإنتاج والصادرات بهجمات على بنية تحتية حيوية للطاقة في المنطقة.

كما تعافت أسواق الأسهم الرئيسية بالمنطقة منذ اتفاق أميركا وإيران على وقف إطلاق النار في وقت سابق من هذا الشهر، رغم تقليص بعض تلك المكاسب، وسط حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل محادثات السلام.

وأفادت «بلومبرغ» بأن شركات سعودية أخرى، من بينها شركة مقاولات ومطور عقاري، تمضي أيضاً قُدماً في خطط الإدراج قبل انتهاء الموافقات التنظيمية الخاصة بها في يونيو.

وشهدت أحجام الطروحات العامة الأولية في الخليج تراجعاً منذ بداية العام، وهو تباطؤ بدأ قبل اندلاع الحرب.

ومع ذلك، سجلت شركتان خليجيتان صغيرتان أُدرجتا منذ بداية الصراع مكاسب قوية، وهما: شركة تشغيل متاجر صغيرة كويتية (ترولي للتجارة العامة)، وشركة التعدين السعودية (صالح عبدالعزيز الراشد وشركاه)، حيث ارتفعت أسهمهما بنحو 42 و30 في المئة على التوالي.

تأسست «دار البلد» عام 2001 على يد مسؤول تنفيذي سابق في شركة سابك، وتقدم خدمات تكنولوجيا المعلومات وحلول الأعمال.

ووفق نشرة الإصدار، سجلت الشركة إيرادات بلغت 315 مليون ريال (84 مليون دولار)، وصافي ربح قدره 51 مليون ريال في 2025.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *