المسجد الأقصى «تحت الحصار» في الذكرى الـ 78 للنكبة


في مشهد يعكس تصعيداً غير مسبوق في مدينة القدس المحتلة، ويعيد إلى الواجهة أخطر مشاريع اليمين الإسرائيلي المتطرف تجاه المسجد الأقصى المبارك، شهدت المدينة، الخميس، يوماً مشحوناً بالتوتر والعنف المنظم، مع اقتحامات واسعة نفذها مئات المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك بقيادة وزير الأمن الداخلي المتطرف إيتمار بن غفير وقيادات ما يسمى بـ «الهيكل» المزعوم، بالتزامن مع ما يسمى «ذكرى احتلال القدس» و«مسيرة الأعلام» الاستفزازية، وفي ظل الذكرى الـ 78 للنكبة الفلسطينية.

ويحذر مراقبون ومرجعيات دينية ووطنية من أن ما يجري لم يعد مجرد اقتحامات واعتداءات موسمية أو استعراض قوة عابر، بل يمثل محاولة إسرائيلية ممنهجة لفرض واقع ديني وسياسي جديد داخل المسجد الأقصى المبارك، يمهد لتغيير «الوضع القائم» التاريخي والقانوني، ويفتح الباب أمام مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود القدس لتشعل المنطقة بأسرها بـ «حرب دينية».

اقتحامات تحت الحماية

فجر الخميس، اقتحم مئات المستوطنين المسجد الأقصى المبارك عبر باب المغاربة، تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال والقوات الخاصة المدججة بالسلاح رافقت المستوطنين والوزراء وقادة الحركة الاستيطانية المتطرفة.

وأفادت مصادر مقدسية متطابقة بأن عدد المقتحمين بلغ 623 مستوطناً، إضافة إلى 78 طالباً متطرفاً من طلاب المعاهد الدينية اليهودية، في واحدة من أكبر الاقتحامات التي يشهدها المسجد خلال الأشهر الأخيرة.

وقاد الاقتحامات بن غفير، وهو يردد شعارات ويرقص «الشعب اليهودي حي» ويرفع العلم وخلفه قبة الصخرة المشرفة وسط المسجد الأقصى. كذلك فعل عضو الكنيست أرييل كيلنر، بمشاركة الحاخام المتطرف يهودا غليك، أحد أبرز منظّري مشروع اقتحام الأقصى وتقسيمه، فيما رافقت مجموعات المقتحمين طواقم إعلامية إسرائيلية، بينها القناة السابعة التابعة للمستوطنين، التي بثت الاقتحامات مباشرة في مشهد اعتبره المقدسيون محاولة متعمدة لإظهار «السيادة الإسرائيلية» على المسجد.

طقوس استفزازية

داخل باحات المسجد، أدى المستوطنون طقوساً تلمودية علنية واستفزازية، شملت ما يعرف بـ«السجود الملحمي»، والرقص والغناء ورفع الأعلام، وترديد شعارات دينية وقومية متطرفة، خصوصاً في المنطقة الشرقية قرب باب الرحمة.

كما رصدت مشاهد للمستوطنين وهم يرقصون ويرددون الأغاني العنصرية قرب عتبات قبة الصخرة المشرفة، في رسالة سياسية واضحة مفادها بأن الجماعات المتطرفة لم تعد تخفي نيتها تحويل الاقتحامات إلى ممارسة «سيادية» ثابتة داخل الحرم القدسي والهدف هدم المسجد وبناء «الهيكل» المزعوم.

حصار المصلين

بالتوازي مع الاقتحامات، فرضت قوات الاحتلال قيوداً مشددة على دخول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى.

ومنعت الشرطة الرجال دون سن 60 عاماً والنساء دون 50 عاماً من دخول المسجد منذ صلاة الفجر، كما اعتدت على عدد من المصلين عند الأبواب بالدفع والضرب.

وأجبرت قوات الاحتلال، المصلين وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية على البقاء داخل المصليات المسقوفة فقط، ومنعتهم من التواجد في الساحات المفتوحة، في خطوة هدفت إلى تفريغ المسجد من رواده وإفساح المجال الكامل أمام المستوطنين لتجول والصلاة والغناء والرقص في الأروقة وساحات الأقصى.

وبحسب تقديرات مقدسية، لم يتجاوز عدد المصلين داخل المسجد خلال ساعات الاقتحام 150، في مشهد وصفه مراقبون بأنه «إخلاء قسري» للمسجد من أهله.

«مسيرة الأعلام»

بالتزامن مع اقتحامات الأقصى، انطلقت «مسيرة الأعلام» في شوارع القدس المحتلة، بمشاركة قدرتها وسائل إعلام إسرائيلية بنحو 50 ألف مستوطن.

وجابت الحشود الاستيطانية أحياء البلدة القديمة، خصوصاً الحي الإسلامي ومحيط باب العامود، مرددة شعارات عنصرية مثل «الموت للعرب» و«لتُحرق قريتكم»، وسط اعتداءات مباشرة على الفلسطينيين وممتلكاتهم.

وفي منطقة الواد وحارة النصارى، اعتدت مجموعات من المستوطنين على المحال التجارية واحرقوا أحد المحال التجارية التي تبيع الهدايا التذكارية والمطرزات، وقامت بقلب البسطات والطاولات وتحطيم البضائع وإلقائها في الشوارع، أمام أعين شرطة الاحتلال التي لم تتدخل لوقف الاعتداءات، بل منعت أصحاب المحال من الدفاع عن ممتلكاتهم، واعتقلت أحد التجار قرب باب العامود.

خنق اقتصادي

ولتأمين مرور المسيرة، أصدرت سلطات الاحتلال أوامر مباشرة لتجار البلدة القديمة بإغلاق محالهم التجارية ابتداءً من الساعة الثانية عشرة ظهراً.

ويرى مقدسيون أن هذه الإجراءات لا تندرج فقط ضمن الترتيبات الأمنية، بل تأتي ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ البلدة القديمة من مظاهر الحياة الفلسطينية، وإخضاع سكانها لعقاب جماعي اقتصادي ونفسي وتمكين المستوطنين والمتطرفين من تنفيذ اعتداءاتهم دون أي رد أو ردع.

الخطر الأكبر

لكن أخطر ما في المشهد الحالي، وفق تحذيرات المرجعيات الدينية والوطنية ومؤسسات القدس، يتمثل في المحاولات المتصاعدة لفرض اقتحام استيطاني للمسجد الأقصى، الجمعة، في سابقة هي الأولى منذ احتلال القدس عام 1967.

ويؤكد باحثون مختصون، أن هذه الخطوة، إن تمت، ستشكل كسراً تاريخياً لخصوصية يوم الجمعة، وتمثل انتقالاً خطيراً من مرحلة «الاقتحامات المنظمة» إلى مرحلة فرض «الحق اليهودي المتساوي» داخل المسجد، وهو التعبير الذي تستخدمه جماعات «الهيكل» لتبرير مشروع التقسيم الزماني والمكاني الكامل.

كسر «الوضع القائم»

وفي تصعيد سياسي غير مسبوق، وقع 22 مسؤولاً إسرائيلياً، بينهم 9 وزراء و13 نائباً من حزب الليكود وأحزاب اليمين، على عريضة رسمية تطالب الشرطة بالسماح باقتحام الأقصى، يوم الجمعة.

ومن بين الموقعين: وزير العدل ياريف ليفين، وزير الحرب يسرائيل كاتس، ووزير الطاقة إيلي كوهين.

وبرر الموقعون مطلبهم بأنه «من غير المعقول منع اليهود من دخول جبل الهيكل في يوم تحرير القدس»، معتبرين أن استمرار منع الاقتحام يوم الجمعة «يمس بالسيادة الإسرائيلية».

كما وزعت منظمة «بيدينو» الاستيطانية رقم هاتف بن غفير، داعية المستوطنين إلى الضغط عليه للموافقة على الاقتحام، بالتوازي مع حملة توقيعات إلكترونية للمطالبة برفع العلم الإسرائيلي داخل المسجد.

«ثلاثية الأهداف»

ويرى الباحث المختص في شؤون القدس زياد ابحيص، أن ما يجري جزء من إستراتيجية إسرائيلية متدرجة تقوم على ثلاثة أهداف واضحة:

– تكريس اقتحامات «مسيرة الأعلام» يوم الخميس كحدث سنوي ثابت.

– فرض اقتحامات مسائية جديدة تمدد زمن السيطرة داخل المسجد.

– الوصول إلى اقتحام يوم الجمعة، باعتباره «الهدف الأعلى» لكسر آخر الحواجز الرمزية والدينية في الأقصى.

ويؤكد أن نجاح الاحتلال في هذه المرحلة يعني عملياً أن المسجد الأقصى لم يعد يمتلك «زماناً إسلامياً محمياً»، وهو ما يمهد لفرض تقسيم كامل على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي.

تقويض الوصاية!

من جهته، حذر مفتي القدس والديار الفلسطينية محمد حسين، من أن الاحتلال يعمل بصورة منهجية على كسر «الوضع القائم» وتقويض الوصاية الإسلامية الأردنية على المقدسات، مؤكداً أن «ما يجري ليس حدثاً طارئاً، بل امتداد لخطة بدأت منذ احتلال المدينة وتتصاعد بوتيرة أخطر مع صعود اليمين الديني».

كما حذرت مؤسسات مقدسية من احتمال إقدام بن غفير، أو شخصيات متطرفة على اقتحام المصليات المسقوفة، مثل قبة الصخرة والجامع القبلي، في محاولة لإعلان «السيادة الإسرائيلية» داخل أقدس مواقع المسجد.

دعوات للنفير والرباط

في المقابل، أطلقت المرجعيات الدينية والوطنية، إلى جانب حركة «حماس» ومؤسسة القدس الدولية ومحافظة القدس، دعوات عاجلة لأبناء الشعب الفلسطيني في القدس والداخل والضفة الغربية إلى شد الرحال إلى المسجد الأقصى والرباط فيه، باعتبار أن الحضور الشعبي الكثيف يبقى خط الدفاع الأول في مواجهة هذه المخططات.

وتستحضر هذه الدعوات، تجارب سابقة أثبت فيها الرباط الشعبي قدرته على إفشال المشاريع الإسرائيلية، كما حدث في هبة باب الأسباط و«معركة سيف القدس».

ما يجري في القدس اليوم يتجاوز حدود الاستفزاز السياسي أو الأمني. وفي ظل صمت دولي متزايد، يبدو أن اليمين الإسرائيلي يختبر حدود الانفجار.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *