وصل المدرب الإسباني جوسيب غوارديولا إلى إنكلترا صيف 2016 وسط كثير من الشكوك. صحيح أن كرة القدم التي قدمها مع برشلونة الإسباني كانت استثنائية وغير مسبوقة، لكن تجربته مع بايرن ميونخ الألماني أثارت تساؤلات حول مدى قدرة أسلوبه القائم على الاستحواذ والدقة الفنية على النجاح في أجواء الكرة الإنكليزية القاسية والسريعة.
البداية مع مانشستر سيتي كانت جيدة، لكن الفريق تراجع في الخريف، وجاءت الخسارة الشهيرة أمام ليستر سيتي 2-4 في ديسمبر 2016 لتكشف حجم الصدمة. رغم استحواذ «سيتي» على الكرة بنسبة 78 في المئة، مزّق ليستر دفاعه بالمرتدات، وسجل المهاجم جيمي فاردي ثلاثية «هاتريك».
وقتها بدا غوارديولا وكأنه يكتشف عالماً جديداً، حتى إنه قال بعد المباراة: «أنا لست مدرباً للتدخلات، لذلك لا أدرب عليها».
في تلك اللحظة، اعتقد كثيرون أن غوارديولا هو من سيضطر للتغيير ليتأقلم مع الكرة الإنكليزية. لكن ما حدث لاحقاً كان العكس تماماً: غوارديولا هو من غيّر وجه الكرة الإنكليزية.
حتى في الدرجات الدنيا، حيث كانت المباريات تُلعب سابقاً بطريقة بدائية ومباشرة وعلى ملاعب موحلة، أصبح اللعب القصير من الخلف والاستحواذ على الكرة أمراً شائعاً. المدربون هناك يؤكدون أن الأطفال كبروا وهم يشاهدون هذا النوع من كرة القدم على التلفاز، متأثرين بما يقدمه «سيتي» وغوارديولا، إضافة إلى تطوّر جودة الملاعب والتكنولوجيا الحديثة التي جعلت التحكم بالكرة أسهل بكثير.
فلسفة غوارديولا قامت دائماً على استغلال المساحات وتحريك الخصم وخلق التفوّق العددي، ومع تحسن أرضيات الملاعب أصبحت كرة القدم أكثر تكتيكية وأقرب إلى رؤيته. لم يعد اللاعب منشغلاً فقط بالسيطرة على الكرة، بل بات يفكر مسبقاً في القرار التالي والتحرك القادم.
بالطبع، ساعدت الإمكانات المالية الضخمة لمانشستر سيتي في بناء هذا المشروع، إلى جانب تطوّر برامج تطوير اللاعبين في إنكلترا، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن غوارديولا ترك أثراً عميقاً في شكل اللعبة.
الأهم أنه لم يتوقف عن التطوّر. انتقل من فكرة الأظهرة التقليدية إلى الأظهرة التي تدخل إلى العمق، ثم إلى استخدام قلوب دفاع كأظهرة، ثم دفع جون ستونز إلى وسط الملعب كلاعب إضافي. لعب أحياناً من دون مهاجم صريح، ثم عاد للاعتماد على رأس حربة كلاسيكي. انتقل من كرة تعتمد على السيطرة المطلقة بالتمرير إلى أسلوب أكثر مرونة يعتمد على المهارة الفردية والسرعة في الثلث الأخير.
هذا الشغف الدائم بالتجديد هو ما جعل غوارديولا مختلفاً عن بقية المدربين الكبار. أحياناً كان يبالغ في التعقيد، خصوصاً في دوري أبطال أوروبا، لكنه بقي في القمّة لمدة تقارب العقدين لأنه لم يتوقف عن البحث عن فكرة جديدة.
المفارقة أن غوارديولا يرحل عن «سيتي» في وقت بدأت فيه كرة القدم الإنكليزية تميل مجدّداً إلى الأسلوب المباشر والكرات الثابتة والرميات الطويلة، ومع ذلك توّج فريقه بثنائية الكأس المحلية، وكأنه حتى في لحظة النهاية يواكب التحوّل الجديد أو يقوده بنفسه.
إرث غوارديولا الحقيقي لا يقتصر على البطولات فقط، بل في تغيير عقلية الكرة الإنكليزية بالكامل. أصبحت اللعبة أكثر وعياً تكتيكياً، وأكثر اهتماماً بالاستحواذ والجودة الفنية مما كانت عليه قبل وصوله.
على مدار عشر سنوات، كانت هناك علاقة تأثير متبادل بين غوارديولا وإنكلترا، لكن الحقيقة الأوضح تبقى أن غوارديولا غيّر الكرة الإنكليزية أكثر بكثير مما هي غيّرته.
