اتّسم خطاب وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، بنبرة متوازنة تجاه الصين خلال منتدى حوار شانغريلا المخصّص لبحث القضايا الدفاعية، إذ أكد أن الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق «توازن مستقرّ» في منطقة آسيا والمحيط الهادئ يخدم مصالحها ومصالح حلفائها، ولو أنه أشار إلى «قلق مشروع» إزاء الحشد العسكري الصيني.
وجاءت كلمة هيغسيث، أمام المنتدى الذي عُقد بنسخته الثالثة والعشرين في سنغافورة، مختلفة عن تصريحاته الحادّة تجاه الصين العام الماضي.
ويقود هيغسيث، وفدا أميركياً كبيراً، بخلاف بكين التي أرسلت للسنة الثانية على التوالي إلى هذا المنتدى الذي يجمع نحو 45 بلداً، لجنة من خبراء عسكريين وأكاديميين بدلاً من وزير الدفاع دونغ جون.
وقال هيغسيث، السبت، «عندما ننظر إلى المنطقة اليوم، ثمة قلق مشروع إزاء الحشد العسكري التاريخي للصين واتساع أنشطتها العسكرية داخل المنطقة وخارجها».
وأضاف أن واشنطن لا تسعى إلى «مواجهة غير ضرورية في المنطقة»، بل إلى «تحقيق توازن مستقرّ حقيقي يخدم مصالح الأميركيين وكذلك حلفاؤنا».
وتابع «هذا يعني تحقيق توازن قوى مؤات ومستدام، بحيث لا تستطيع أيّ دولة، بما في ذلك الصين، فرضَ هيمنتها أو تهديد أمن وازدهار بلدنا وحلفائنا».
وأوضح أن الولايات المتحدة تسعى إلى حوار «قائم على الاحترام» و«حسن النيّة» مع بكين، مضيفاً «كنت أتمنى حضور نظيري هذا المنتدى، لكنني أتطلع إلى فرص أخرى يمكن أن نلتقي فيها».
وقام الرئيس دونالد ترامب، في منتصف مايو بزيارة إلى الصين أشاد خلالها بـ«اتفاقات تجارية رائعة» من دون تفصيلها، قبل أن يلمّح لاحقا إلى احتمال استخدام مبيعات الأسلحة الأميركية إلى تايوان كورقة تفاوض مع بكين.
وفي هذا الجانب، أكد وزير الحرب أن أيّ تغيير لم يطرأ في موقف واشنطن من تايوان، وإنْ أشار إلى أن «أي قرار في شأن مبيعات الأسلحة المستقبلية إلى تايبيه… سيعود في النهاية» إلى ترامب.
تغيّر في النبرة
جاء خطاب وزير الحرب الأميركي مختلفاً بشكل واضح عمّا قاله أمام المنتدى العام الماضي، حين صوّر الصين باعتبارها تهديداً «وشيكاً» للأمن، وطرح رؤية حازمة تستند إلى قوّة الردع الأميركية، موجهاً في حينه انتقادات مباشرة لغياب نظيره الصيني، حين قال «نحن هنا هذا الصباح، وهناك مَن لم يحضر».
وتعليقاً على الخطاب الأميركي هذا العام، لفت المندوب الصيني دا وي، مدير مركز الأمن والإستراتيجية الدولية في جامعة تسينغهوا في بكين، إلى أنه كان «أكثر اعتدالاً».
لكنه اعتبر إشارة هيغسيث، إلى الهيمنة الصينية «مثيرة للسخرية»، مضيفاً «لابد أن الجميع في القاعة تساءل: مَن هو الطرف الذي يمارس الهيمنة فعلياً؟».
وقال «في ظلّ ما تفعله الولايات المتحدة في إيران وما فعلته في فنزويلا، أعتقد أن الأمر يصبح واضحاً للجميع».
من جانبها، أعربت المندوبة الأميركية تامي داكوورث، وهي سناتورة ديمقراطية معارضة لترامب، عن «قلقها» إزاء تصريحات هيغسيث، معتبرة مهادنة أكثر مما ينبغي تجاه الصين.
وقالت للصحافيين «أخشى أن تنشغل هذه الإدارة بحروب بدأتها في مناطق أخرى من العالم على حساب التزامنا هنا في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ».
وبدلاً من وزير الدفاع، أرسلت الصين وفداً من الخبراء والأكاديميين العسكريين برئاسة اللواء منغ شيانغتشينغ، من جامعة الدفاع الوطني.
ويرى محللون أن غياب الوزير يعكس ثقة بكين بصفتها قوّة راسخة، وعدم رغبتها في أن تبرر علناً تحركاتها الحازمة في المنطقة، في حين يحذّر آخرون من أنها تخاطر بعدم إرسال مسؤول رفيع في حال طُرحت قضايا أمنية كبرى، مثل إعادة فتح مضيق هرمز أو ملف تايوان.
رفع الإنفاق الدفاعي
كما وجّه هيغسيث، انتقادات جديدة لحلفاء واشنطن في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأوروبا، محذّراً من مواجهة الدول التي لا تزيد إنفاقها الدفاعي بشكل كاف «تغيير واضح في طريقة تعاملنا معها».
وعلى رغم تعهّد أعضاء الحلف العام الماضي برفع الإنفاق المرتبط بالدفاع إلى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي، لكن العديد من الدول تؤكد أنها قد لا تتمكن من بلوغ هذا الهدف.
وقال هيغسيث، أمام منتدى حوار شانغريلا «لفترة طويلة، لم تلقَ الدعوات المهذبة لحلفائنا الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي آذانا صاغية».
وأضاف «لقد بدأوا أخيراً في اللحاق بالركب».
وتابع «الحلفاء الذين يرفضون تحمّل مسؤولياتهم والمساهمة بنصيبهم في الدفاع الجماعي سيواجهون تغييراً واضحاً في كيفية تعاملنا معهم».
وكان وزير الخارجية ماركو روبيو، قال هذا الشهر إن حلف شمال الأطلسي قد يشهد خفضاً في عديد القوات الأميركية العاملة في أوروبا، في ظل تركيز واشنطن على تهديدات في مناطق أخرى وزيادة الدول الأوروبية إنفاقها الدفاعي.
وكرّر هيغسيث، أن أمن منطقة آسيا «اعتمد بشكل غير متوازن على القوّة العسكرية الأمبركية، في حين سمح العديد من حلفائنا وشركائنا بتآكل قدراتهم الدفاعية».
وأشار إلى أن عدة دول في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بدأت بالفعل بزيادة إنفاقها، مستشهداً بكوريا الجنوبية، التي قال إنها «استثمرت بانتظام في دفاعها، لأنها لا تمتلك رفاهية التعامل مع الحرب كمسألة نظرية».
وأضاف «انهم يعيشون على خطوط المواجهة الأمامية، ولذلك يبنون قوّة قتالية حقيقية».
ورأى أن ذلك «يعكس فهماً واقعياً واضحاً لطبيعة التهديدات».
كذلك، أشاد بسياسات الإنفاق الدفاعي في دول أخرى مثل أستراليا والفلبين واليابان، مشيراً إلى أنه «لا يمكن أن يكون هناك تحالف قوي إذا لم يكن الجميع مساهمين فيه لا مجال للركوب المجاني».
وأقرّ هيغسيث، رداً على سؤال من مندوب نيوزيلندا، بأن خطّة بلاده لزيادة الإنفاق الدفاعي من 1 % إلى 2 % «غير كافية».
وقال «بصراحة، 2 % ليست كافية، وبالتالي فهي شكل من أشكال الركوب المجاني»، مضيفاً «لا أتحامل على نيوزيلندا، لكنني أريد من الشركاء أن ينهضوا بمسؤولياتهم».
