أعلنت إسرائيل، اليوم الأحد، سيطرتها على قلعة الشقيف الاستراتيجية في جنوب لبنان حيث رفعت علمها بحسب ما أظهر مقطع مصوّر لوكالة فرانس برس، بالتزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي توسيع عملياته البرية منذ أيام واتهام لبنان له بتنفيذ «سياسة الأرض المحروقة».
وبحسب «بي بي سي» فإن القلعة تُعد واحدة من أبرز القلاع التاريخية في جنوب لبنان وأكثرها ارتباطاً بتاريخ الصراعات والحروب التي شهدتها المنطقة عبر قرون طويلة، وتقع على تلة صخرية شاهقة في بلدة أرنون بمحافظة النبطية، وتشرف على مجرى نهر الليطاني وسهول الجنوب اللبناني، ما منحها أهمية استراتيجية وعسكرية جعلتها هدفاً دائماً للقوى المتنافسة منذ العصور الوسطى وحتى العصر الحديث.
تاريخ البناءيعود تاريخ بناء القلعة إلى فترات قديمة، إلا أن المصادر التاريخية تختلف حول الجهة التي شيدتها أول مرة، ويعتقد عدد من المؤرخين أن أصلها يعود إلى العصر الفينيقي أو الروماني، قبل أن يعاد بناؤها وتحصينها خلال الحقبة الصليبية في القرن الثاني عشر الميلادي.وخلال الحروب الصليبية، أصبحت القلعة جزءاً من شبكة التحصينات التي أقامها الصليبيون في بلاد الشام لحماية طرق التجارة والاتصال بين الساحل والداخل، وتميز موقعها بتمكين المسيطر عليها على مراقبة الطرق المؤدية إلى فلسطين والجليل، الأمر الذي جعلها هدفاً للجيوش الإسلامية التي سعت لاستعادة السيطرة على المنطقة.وفي عام 1190 تقريباً، دخلت القلعة ضمن نفوذ صلاح الدين الأيوبي بعد سلسلة من المعارك مع الصليبيين، لكنها شهدت لاحقاً فترات متقطعة من السيطرة المتبادلة بين القوى المتصارعة.ومع تعاقب العصور، خضعت القلعة لعمليات ترميم وتحصين متعددة، خصوصاً خلال الحقبة المملوكية ثم العثمانية، إلا أن أهميتها العسكرية تراجعت تدريجياً مع تطور أساليب الحرب والأسلحة الحديثة، لتتحول مع الوقت إلى معلم تاريخي يرمز إلى تاريخ الجنوب اللبناني وتعقيداته السياسية والعسكرية.ورغم هذا التراجع النسبي في دورها العسكري التقليدي، عادت قلعة الشقيف أرنون إلى الواجهة بقوة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مع تصاعد الصراع العربي الإسرائيلي وتحول جنوب لبنان إلى ساحة مواجهة مفتوحة، فبعد الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة للجنوب، اكتسبت القلعة أهمية كبيرة بسبب موقعها المرتفع المطل على مناطق واسعة من شمال إسرائيل وجنوب لبنان، مما جعلها نقطة مراقبة وتحكم استراتيجية.وخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، تحولت القلعة إلى واحدة من أشهر ساحات المواجهة بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين، فقد تمركزت فيها مجموعات من «منظمة التحرير الفلسطينية» وقوات لبنانية متحالفة معها، واستفادت من طبيعة القلعة الصخرية والتحصينات القديمة في مواجهة القوات المهاجمة، ودارت معارك عنيفة حول الموقع.وقد وثقت الصحافة العالمية آنذاك شراسة القتال الذي شهدته القلعة، خصوصاً أن القوات الإسرائيلية كانت تتوقع سقوط الموقع بسرعة بسبب التفوق العسكري الكبير الذي امتلكته، وقد أصبحت معركة الشقيف واحدة من أكثر معارك الاجتياح الإسرائيلي شهرة، حتى أنها حظيت بمكانة خاصة في الرواية العسكرية الإسرائيلية واللبنانية على حد سواء.وبعد سيطرة إسرائيل على القلعة، استخدمتها القوات الإسرائيلية لفترة طويلة كنقطة مراقبة عسكرية متقدمة ضمن ما كان يعرف بـ «الشريط الحدودي» الذي احتلته إسرائيل في جنوب لبنان حتى عام 2000، واستفادت إسرائيل من الموقع الجغرافي المرتفع للقلعة لمراقبة تحركات عناصر حزب الله والقرى الجنوبية، كما جرى تحصينها.وارتبط اسم الشقيف خلال التسعينيات من القرن الماضي بعمليات القصف والاشتباكات المتكررة بين حزب الله والقوات الإسرائيلية، وعندما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان في مايو من عام 2000، استعادت الدولة اللبنانية السيطرة على القلعة.
