– من «النموذج الغزاوي» إلى «الخط الأصفر»
– هل تستطيع إسرائيل تحويل «الاحتلال الموقت» إلى «استقرار دائم» أم ستبقى عالقة في الوحل اللبناني لسنوات؟
– الخلاف الإستراتيجي… بين «نموذج التدمير» و«الحل السياسي»
«نحن لا نريد احتلال لبنان، لكننا لن نكرر أخطاء الماضي»، بهذه العبارات، يلخص كبار الإستراتيجيين الإسرائيليين ما يحدث على الأرض في جنوب لبنان، حيث يعيد جيش الاحتلال كتابة قواعد الاشتباك وفق سيناريو طُبّق سابقاً في قطاع غزة، وسط مخاوف من تحول المنطقة إلى نموذج تدميري دائم.
فلم تعد التحركات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان مجرد مناورة تكتيكية أو رد فعل على إطلاق صواريخ. فالمعطيات الميدانية والتصريحات الرسمية التي رصدتها المصادر الإسرائيلية والأميركية تشير إلى تحول إستراتيجي في العقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر 2023، تقوم على فكرة «الدفاع الأمامي» عبر السيطرة المباشرة والمطولة على مناطق عازلة خارج الحدود.
فتحليلات كبار المحللين العسكريين، وكذلك تقارير المؤسسات الأمنية الأميركية والإسرائيلية تكشف عن مسار تحول جنوب لبنان إلى ما يمكن وصفه بـ “نموذج غزة المطبق في الشمال«، وكيف أصبحت المقارنة بين الساحتين أداة إستراتيجية لتبرير سياسات الاحتلال والتوسع.
«الخط الأصفر»
نقلاً عن مصادر عسكرية إسرائيلية، فإن الخط الأصفر يمثل منطقة سيطرة أمنية إسرائيلية ممتدة لعمق يراوح بين 10 و15 كيلومتراً على طول الحدود اللبنانية.
فالخط الأصفر في لبنان هو نسخة طبق الأصل عن فكرة الخط الأصفر في غزة من حيث الفلسفة.
هذا التحول لم يمر من دون قراءة إستراتيجية عميقة من قبل المحللين الإسرائيليين أنفسهم. ففي مقال افتتاحي بصحيفة «يسرائيل هيوم»، كتب يعقوب لابين، المحلل العسكري والمحاضر في مركز بيغن-السادات للدراسات الإستراتيجية، «تطبق إسرائيل عقيدة أمنية جديدة بعد 7 أكتوبر، تقوم على الدفاع الأمامي، أي الاحتفاظ المباشر والمطول بمناطق عازلة عبر الحدود للحفاظ على الحرية العملياتية وتحييد قدرة العدو على إعادة تمركز نفسه بالقرب من المجتمعات والمستوطنات الإسرائيلية».
ويكشف لابين أن الجيش يسيطر حالياً على نحو 1220 كيلومتراً مربعاً خارج حدوده، أي ما يعادل 5 في المئة من مساحة إسرائيل، موزعة بواقع 600 كيلومتر مربع في جنوب لبنان، و600 أخرى في غزة، والبقية في سوريا.
وفي خبر حصري نشره موقع «معاريف» بقلم المحلل العسكري آفي أشكنازي، يتم الكشف عن التفاصيل الدقيقة للتقدم الإسرائيلي نحو «مرتفعات علي طاهر»، وهي منطقة إستراتيجية كانت تحت سيطرة لواء «بدر» التابع لـ«حزب الله» لعقدين من الزمن.
ويصف أشكنازي، هذا التقدم قائلاً «يدرك حزب الله جيداً أن الجيش الإسرائيلي في طريقه للاستيلاء على أحد أهم أصوله التي تتحكم في الاستطلاع والقوة النارية. ولهذا السبب، توقع الجيش الإسرائيلي تصعيداً في إطلاق النار».
ويشير التقرير إلى أن الفرقة 36، التي تشغل ألوية مدرعة ومشاة، تجاوزت عملياتها التكتيكية لتصبح مناورة ذات أبعاد إستراتيجية، وسط تساؤلات حائرة: هل الهدف هو عبور الليطاني وتوسيع القتال، أم البقاء الدائم في المنطقة؟
ويجيب المصدر العسكري الإسرائيلي في تقرير أشكنازي: «في الوقت الراهن، لا تكشف إسرائيل عن نواياها. هل يهدف عبور الليطاني إلى توسيع نطاق القتال وإنشاء رأس جسر للتقدم شمالاً، أم أن الجيش يعتزم البقاء بشكل دائم؟ أم أنها مجرد خطوة تكتيكية لحرمان لواء بدر من القدرات العسكرية التي بناها على مدى عقدين»؟
الخلاف الإستراتيجي
على الجانب الآخر من الطيف التحليلي، يطرح رون بن يشاي، كبار المحللين العسكريين في صحيفة«يديعوت أحرونوت» رؤية نقدية حادة للسياسة الحالية، واصفاً إياها بأنها «تكرار للنهج الفاشل نفسه على مدى 44 عاماً من القتال في لبنان».
يكتب بن يشاي، في مقاله الافتتاحي بصحيفة «يديعوت أحرونوت» تحت عنوان «الطريقة الصحيحة لإزالة خطر حزب الله»: «تُظهر لنا التجربة أن تكرار نفس النهج لن يحل المشكلة. مقتل 200 من حزب الله، وهدم 10 مبانٍ شاهقة أخرى في الضاحية، وتدمير 20 قرية أخرى في جنوب لبنان – كل هذا وحده لن يحل المشكلة».
ويذهب بن يشاي، إلى قلب المعضلة الإسرائيلية، معترفاً بفشل الردع «لابد من الاعتراف، مع الأسف، بأن الردع الذي وفرته الاستخبارات والقصف الجوي قبل عامين قد تآكل. فتدمير القرى المستمر في جنوب لبنان، بدلاً من الضغط على حزب الله لوقفه، لا يزيد إلا من غضب القرويين اللاجئين، ويمنح قوات رضوان شرعية للقتال».
أما الحل الذي يقترحه بن يشاي، فيتمثل في«احتلال لبنان»على غرار حرب لبنان الأولى، لكنه يعترف بالعقبات:«الجيش الإسرائيلي منهك ويحتاج بشدة إلى كوادر قتالية… وستزداد عزلة إسرائيل على الساحة الدولية»، قبل أن يستدرك باقتراح مسار ثالث يقوم على عملية متعددة القنوات: ضغط عسكري ذكي، مفاوضات سياسية مع حكومة الرئيس جوزاف عون، ومساعدات اقتصادية دولية مشروطة بتفكيك سلاح«حزب الله».
وفي تحليل أكثر خطورة، نشر موقع N1 الإخباري تحليلاً لهرئيل حورب، المؤرخ والخبير في المجتمع الفلسطيني والباحث الأول في مركز موشيه دايان – جامعة تل أبيب، تحت عنوان«ما هو صواب في غزة سيكون كارثة في لبنان».
يفصل حورب التناقضات الجوهرية بين الساحتين، محذراً من نقل النموذج الغزاوي إلى لبنان. وقال«لا يمكن مقارنة الأوضاع في هذا الشريط (جنوب لبنان) بالمنطقة الأمنية التي سيطرت عليها إسرائيل حتى مايو 2000. اليوم، هذه منطقة أُفرغت من سكانها الشيعة، ودُمرت أجزاء كبيرة من مستوطناتها بسبب البنية التحتية العسكرية التي بناها حزب الله».
ويضيف مؤكداً استحالة القضاء على الحزب بالطرق العسكرية وحدها «التحرك الشامل للقضاء على حزب الله هو هدف غير واقعي، إذ إنه مكلف للغاية من حيث أرواح الجنود والموارد والشرعية الدولية. علاوة على ذلك، لا يوجد ضمان بأن حزب الله سيتم القضاء عليه حتى لو احتلت إسرائيل لبنان بأكمله، لأن حزب الله ليس مجرد منظمة عسكرية، بل هو أيضاً حركة اجتماعية جماهيرية…».
لكن المحلل حورب، خلافاً لزملائه، يقدم تبريراً أكاديمياً لسياسة التدمير، قائلاً إن «فقدان المنزل، لاسيما في ضوء التقارير التي تفيد بعجز حزب الله عن تعويض الضحايا، يُعد صدمة نفسية شديدة ومستمرة، في إشارة إلى أن سياسة الأرض المحروقة قد تؤتي أكلها في كسر إرادة البيئة الحاضنة للمقاومة للطموح الإسرائيلي».
الدعم الأميركي والتوافق الدولي الصامت
على المستوى الدولي، لم تصدر إدارة الرئيس دونالد ترامب، أي إدانة جادة للتوسع العسكري الإسرائيلي في لبنان.
وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع شبكة «سي بي إس»، أن المحادثات مع الجانب اللبناني تركز على «تقسيم الأدوار» بين بيروت وتل أبيب «للتخلص من حزب الله».
ويقول في المقابلة التي بثت في 10 مايو «ليس لدينا نزاع مع لبنان. يمكننا صنع السلام مع لبنان، ونريد صنعه غداً – لا، حتى أمس. لكن حزب الله يحتجز لبنان كرهينة».
هذا التصريح، الذي يكرر السردية الإسرائيلية، يقابله على الأرض واقع مختلف تماماً، حيث تواصل الطائرات الحربية قصف مناطق مدنية في النبطية وصور والبقاع الغربي، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، بينهم أطفال ونساء لا علاقة لهم بـ «حزب الله».
لبنان ليس غزة
يخلص هذا التقرير، إلى أن إسرائيل تعمل بالفعل على تحويل جنوب لبنان إلى «نموذج تدميري» شبيه بغزة، عبر تطبيق نظرية «الخط الأصفر»، وتهجير السكان، وتدمير البنى التحتية، والسيطرة على النقاط التضاريسية الحساسة.
لكن التحدي الأكبر الذي تواجهه تل أبيب، كما يعترف كبار محلليها، هو أن نجاح هذا النموذج في غزة – وهو أمر مختلف عليه أصلاً – لا يضمن نجاحه في لبنان.
فالتركيبة الاجتماعية اللبنانية الأكثر تعقيداً، القوة النارية الهائلة لحزب الله (حتى بعد تدمير جزء كبير من ترسانته)، والإرهاق الواضح للجيش الإسرائيلي بعد أكثر من عامين من القتال المتواصل، كلها عوامل تحوّل أحلام «لبنان الجديد» إلى كابوس مستنقع لبناني جديد.
ويبقى السؤال المطروح على الطاولة الإسرائيلية والدولية: هل يستطيع الجيش الإسرائيلي تحويل «الاحتلال الموقت» إلى «استقرار دائم» في وجه مقاومة متجذرة، أم أن التاريخ سيعيد نفسه، كما حذر رون بن يشاي، لتبقى إسرائيل عالقة في وحول لبنان لسنوات مقبلة؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.
