الأمم المتحدة تكشف عن تقرير موثق يفضح اغتصاب جنود الاحتلال لـ 31 فلسطينياً


– المشهد في غزة … إبادة بطيئة ترتدي عباءة «وقف إطلاق النار»

– الضفة والقدس: إرهاب الجيش والمستوطنين … قتل وتدمير وتهجير

لم تأتِ الصدمة هذه المرة من مشاهد القصف الإسرائيلي المدمر أو من اغتيال أحد المسؤولين أو قادة الفصائل والتنظيمات الذي اعتاد عليها العالم، بل من وثائق رسمية رفعتها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في النزاعات، بيلما باتن، إلى مجلس الأمن.

الوثيقة، التي كشفها واطلعت عليها وسائل إعلام دولية، وضعت إسرائيل للمرة الأولى في «القائمة السوداء» للدول والجماعات التي ترتكب العنف الجنسي الممنهج، وأرفقتها بتفاصيل صادمة لا تحتمل التأويل.

فقد تمكن المحققون الدوليون من توثيق 31 جريمة اغتصاب كاملة الأركان بحق أسرى فلسطينيين وفلسطينيات، موزعين بين 14 رجلاً و7 نساء و9 أولاد صغار وفتاة واحدة. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في العدد وحده، بل في وحشية التفاصيل التي تسربت من ملفات التحقيق، والتي وصفت ما يشبه غرفة تعذيب منهجية داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية مثل سجن عوفر وماجيدو ومعسكر الاعتقال «سديه تيمان».

حسب التقرير، فإن الضحايا من الرجال تعرضوا لاغتصاب جماعي باستخدام أشياء صلبة وغريبة، ما أدى إلى نزيف حاد في المستقيم استمر مع بعضهم لأيام وأسابيع. أما النساء، فتعرضن لانتهاكات جنسية اقترنت بالصعق الكهربائي والتهديد بقتل أطفالهن. وفي حالة واحدة موثقة، تعرض طفل يبلغ من العمر 12 عاماً للاغتصاب داخل غرفة تفتيش في حاجز عسكري، بعد أن فُصل عن عائلته لساعات.

سياسة ممنهجة

وأكدت الأمم المتحدة في تقريرها، أن هذه الممارسات لم تكن تجاوزات فردية، بل جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى إذلال الأسرى وكسر إرادتهم. وقد رصد المحققون أن إسرائيل منعت فريق الأمم المتحدة من الوصول إلى هذه المرافق بشكل كامل، ما يعزز الشكوك حول حجم الجرائم المخفية.

في المقابل، كان رد فعل الاحتلال هيستيرياً بامتياز؛ فمندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة داني دانون، خرج في بيان ناري أعلن فيه قطع العلاقة مع مكتب الأمين العام، واصفاً التقرير بـ«الكذب المعادي للسامية».

وكتب على منصة «إكس» بعبارة مقتضبة وحادة: «انتهى أمرنا معكم».

لكن مراقبين دوليين يرون أن هذا الغضب يعكس خوفاً حقيقياً من انكشاف الحقيقة، خصوصاً مع إعلان عشرات من الضحايا استعدادهم للإدلاء بشهاداتهم أمام محكمة الجنايات الدولية.

الضفة الغربية: إرهاب المستوطنين تحت حماية الجيش

أما في الضفة الغربية المحتلة، فالأمر لم يكن أقل دموية، لكنه حمل وجهاً مختلفاً من الانتهاك: وجه الاستيطان المسلح وإرهاب المستوطنين الذي بات ينافس الجيش في وحشيته. فمع انشغال العالم بالحرب على قطاع غزة ثم ايران وجنوب لبنان، ضاعف المستوطنون في الضفة والقدس المحتلة من هجماتهم تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال، وفق ما تؤكده تقارير حقوقية دولية.

في تقرير صادر عن خبراء الأمم المتحدة، حذر المقررون من أن ما يحدث في الضفة ليست جرائم وانتهاكات ولا أعمال فردية لمتطرفين، بل هو «إرهاب منظم» تتبناه جماعات استيطانية مسلحة، وتدعمها مؤسسات حكومية والجيش.

وأوضح التقرير أن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا في الضفة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 وحده بلغ 13 شهيداً، بينما أصيب نحو 500 آخرين برصاص الاحتلال والمستوطنين، إصابات بعضها أدى إلى إعاقات دائمة.

لكن أكثر ما يلفت الانتباه هو التحول في أساليب العنف؛ فبينما كانت الهجمات سابقاً تقتصر على حرق السيارات أو اقتحام القرى ليلاً، أصبح المستوطنون اليوم، ينفذون «دوريات مسلحة» علنية في البلدات الفلسطينية، يهاجمون المنازل ويطردون العائلات تحت تهديد السلاح.

في مسافر يطا جنوب الخليل، شهد المراقبون الدوليون مشاهد تهجير قسري ممنهجة، حيث تتعرض عائلات الرعاة لحرق خيامهم وتسميم آبارهم وإطلاق النار على مواشيهم، بينما يقف جيش الاحتلال على بعد أمتار قليلة من دون تدخل، بل ويوفر في بعض الأحيان الغطاء للمستوطنين لمنع الأهالي من الدفاع عن أنفسهم.

منطقة القدس

القدس المحتلة أيضاً لم تكن بمنأى عن هذه الممارسات والجرائم؛ ففي جريمة تتكرر شبه يومياً أطلقت قوات الاحتلال النار على شاب فلسطيني كان يحاول عبور الجدار الفاصل باتجاه القدس الشرقية للبحث عن عمل من أحد مخيمات الضفة، فقتلته على الفور.

وفي تطور خطير، وسعت سلطات الاحتلال من عمليات هدم المنازل في «منطقة ج» و«الأغوار»، بحجة البناء من دون ترخيص، وهو ترخيص يكاد يكون من المستحيل الحصول عليه لفلسطيني.

قرى بأكملها مثل «أم الخير» و«خان الأحمر» تواجه مصيراً محتوماً بالهدم والتهجير، وسط صمت دولي مطبق لا يوفر لأهلها سوى بيانات استنكار تصل بعد فوات الأوان.

هدنة تنزف دماً كل يوم

وبينما كان العالم مشغولاً بالمفاوضات مع إيران وفظائع الاحتلال في الجنوب اللبناني، لم تتوقف آلة القتل في قطاع غزة المحاصر ولو لثانية. فرغم أن الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 لاتزال حبرا على الورق، في الميدان مجرد وهم يتبدد مع كل غارة جوية… ومجزة جديدة.

الثلاثاء، استفاق أهالي ديرالبلح على وقع انفجار هائل؛ إذ استهدفت طائرات الاحتلال سيارة مدنية على طريق صلاح الدين الرئيسي، فتحولت إلى كرة من نار، وأعلنت طواقم الإسعاف عن استشهاد مواطن وإصابة أربعة بجروح خطرة.

وفي خان يونس، لم يختلف المشهد كثيراً؛ حيث أردى قناصة الاحتلال فلسطينياً كان يسير في منطقة قريبة من خط التماس، بينما في الزوايدة، غارة ثالثة أدت إلى استشهاد فلسطيني آخر وإصابة طفل رافقه.

لكن المفجع أن هذه الحصيلة اليومية ليست استثناءً، بل قاعدة في هذه «الهدنة» التي يسخر منها حتى الأطفال في مخيمات النازحين.

وزارة الصحة الفلسطينية أصدرت إحصائية تقشعر لها الأبدان: منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر، ارتفع عدد الشهداء إلى 933، بينما بلغ عدد الجرحى 2868.

وبعيداً عن الأرقام التي تختلف فيها المصادر، وفق انتماءاتها، فإن المؤكد أن معاناة غزة لم تكن محصورة في الغارات فقط. فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن أكثر من 90 % من سكان القطاع يعيشون الآن في حالة نزوح قسري داخل أقل من نصف مساحة غزة، في ظل انهيار كامل للخدمات الصحية والمياه النظيفة، وتفشٍ للأمراض الوبائية في خيام لا تحمي لا من الحر ولا من القصف.

وفي حادثة كشفت عن مدى الاستهتار الإسرائيلي، قصفت طائرات الاحتلال سطح مدرسة تابعة لوكالة «الأونروا» تؤوي نازحين في مخيم النصيرات.

وقال الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، إن المدرسة تعرضت لأضرار جسيمة، في إشارة إلى كارثة كانت وشيكة.

ومع استمرار الحصار البري والبحري، بات الوصول إلى الغذاء والدواء أشبه بالمستحيل، وأصبحت المستشفيات تعلن يومياً عن نقص حاد في كل شيء: من البنج إلى الخيوط الجراحية، مروراً بالحليب الاصطناعي للأطفال الرضع.

المشهد في غزة اليوم، باختصار، ليس مشهد حرب تقليدية؛ إنه مشهد إبادة بطيئة ترتدي عباءة «وقف إطلاق النار».





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *