– محامو مانهاتن ومستشارو الإستراتيجيات وشركاء التمويل ضحايا
– فقدان المكانة الاجتماعية يمثّل ضربة أشد إيلاماً من خسارة الدخل
– القادم سيجعل وظائفنا جميعاً تقريباً تختلف اختلافاً جذرياً عما كنا نتوقعه
– التحدي الأكبر لعصر الذكاء الاصطناعي ليس البطالة بل التكيف مع الواقع
– المنظومة التعليمية التقليدية تواجه مأزقاً حقيقياً في التكيف مع أدوات العصر
– الجامعات تحت المقصلة وظاهرة الغش الطلابي تفضح عجز مواجهة الرقمنة
– ثورة الآلات تمنح الدول النامية والمهاجرين فرصة ذهبية لكسر احتكار الوظائف
تطرّقت مجلة فورتشن الأميركية، في تقرير لها، إلى سيناريو سلبي يلوح في الأفق مع اجتياح الذكاء الاصطناعي للاقتصاد العالمي، حيث باتت الآلة تهيمن على وظائف عدة، ما يشكّل تهديداً للعمال والموظفين، بيد أن الخبير الاقتصادي الأستاذ بجامعة جورج ميسون تايلر كوين لا يتبنى هذه الرؤية المتشائمة تماماً، وإن كان بديلها ليس مطمئناً بالقدر الكافي.
ويشير كوين خلال كلمة رئيسية ألقاها في قمة «سانا للذكاء الاصطناعي» بملحق مكتبة نيويورك العامة، إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يتسبّب في بطالة جماعية، لكنه سيغير طبيعة معظم الوظائف، فيما يرى أن هذا التمييز يكتسب أهمية قصوى، إذ يسلط الضوء على مشكلة قد يكون حلها أكثر تعقيداً من معالجة البطالة نفسها، وهي التكلفة النفسية والاجتماعية والمؤسسية للتكيف.
الخاسرون والرابحون
وأوضح كوين أن عملية التكيف لن تكون متساوية بين الجميع، مقدماً رؤية تعكس تماماً المفاهيم السائدة حول الرابحين والخاسرين في هذه الحقبة. وحسب تقديره، ليس سائقو الشاحنات أو عمال المصانع الفئة الأكثر عرضة للمخاطر، بل محامو مانهاتن، ومستشارو الإستراتيجيات، والشركاء في قطاع التمويل؛ الذين أمضوا عقوداً في تحصيل المؤهلات والنخبويّة والالتزام بقواعد اللعبة المؤسسية.
وقال كوين: «هؤلاء هم بالتحديد مَنْ قد يخسرون. أما الرابحون فهم القادرون على المبادرة، وفهم آليات عمل الذكاء الاصطناعي والوكلاء الرقميون، وتقديم أداء مغاير»، مشيراً إلى أن ذلك يشمل العمال في الدول النامية والمهاجرين الذين لم تكن هذه القواعد متاحة لهم في المقام الأول.
أزمة هوية
وفي سياق متصل، كان كوين صريحاً بشأن التداعيات النفسية الحادة لهذا التحوّل، حيث قال: «عندما يرتفع شأن بعض الناس وينحدر آخرون، فإن الخاسرين يعانون نفسياً بشكل يفوق بمراحل سعادة الرابحين».
وأضاف أن فقدان المكانة الاجتماعية يمثّل ضربة أشد إيلاماً من خسارة الدخل. ولذلك، فإن رؤية الذكاء الاصطناعي وهو يحوّل المعرفة الفكرية إلى سلعة اعتيادية تعني أزمة هوية حادة للطبقة المهنية التي صاغت كينونتها حول التفوق المعرفي والوجاهة المؤسسية، وليست مجرد أزمة مهنية عابرة.
وعزا كوين حدة الصدمة إلى سبب بسيط، قائلاً: «حياتنا كانت مملة ورتيبة إلى حد كبير حتى الآن، فلا أحد في هذه القاعة طاعن في السن بما يكفي ليكون قد عاصر ثورة تكنولوجية جذرية».
وضرب مثلاً بجدته التي ولدت 1905 وعاصرت ولادة المجتمع الاستهلاكي، والسيارات، والطائرات، والراديو، والتلفزيون في الخمسين عاماً الأولى من عمرها. غير أن الوتيرة تباطأت منذ منتصف القرن العشرين، واستطرد قائلاً: «لم تشهد حياتنا اضطراباً حقيقياً، لكن ما هو قادم سيجعل وظائفنا جميعاً تقريباً تختلف اختلافاً جذرياً عما كنا نتوقعه».
التعليم العالي
واستشهد كوين بقطاع التعليم العالي كحالة دراسية تجسّد اعتلال آليات التكيف، وتساءل: «ما مدى كفاءة مجتمعنا حقاً؟ وكيف نتكيف نحن المعلمين مع عالم الذكاء الاصطناعي؟ إننا نكتفي بالجلوس والتذمر من الغش، قائلين: أوه، الطلاب يغشون، وعلينا منعهم».
وانتقد الجامعات لإخفاقها في استيعاب حقيقة أن المهام التي يختصرها الطلاب عبر الذكاء الاصطناعي ذاتها المهام التي لن يقوموا بها أصلاً في غضون عامين أو 3، مؤكداً أن«الغش ليس إلا مؤشراً على أن المنظومة بأكملها معطوبة.. فلا تلوموا الغشاشين».
أثر اقتصادي
وتشير تقديرات كوين إلى أن نحو 40 إلى 50 % من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، ويشمل القطاع الحكومي، والتعليم العالي، والرعاية الصحية، والمؤسسات غير الربحية، سيكون بطيئاً جداً في التكيف. وأن هذا التباطؤ المؤسسي يفسّر سبب توقعه بأن يرفع الذكاء الاصطناعي معدل النمو الاقتصادي إلى بين 2 و2.5 % فقط، بدلاً من قفزات الـ 20 أو 40 % التي يروّج لها البعض في«سيليكون فالي».
ومع ذلك، يرى الخبير الاقتصادي أن هذه النسبة تشكّل فارقاً ضخماً بالنظر إلى الدَين القومي الأميركي البالغ 39 تريليون دولار، موضحاً:«عند حساب الميزانية، يعلم الجميع بحجم الديون الأميركية، وتشعرون أننا وأبناءنا وأحفادنا في مأزق. لكن إذا تمكن اقتصادنا من النمو 2.5 % بفضل الذكاء الاصطناعي، فبدلاً من الانفجار والتحول إلى يونان أخرى، سيتقلص هذا الدين ليصبح في حدود يمكن إدارتها».
العودة للإنسانية
وفي المقابل، تتلخص نصيحة كوين للأفراد في إعادة التوجيه بعيداً عن رأس المال الفكري الصرف؛ حيث يرى أن الحضور المادي، والمهارات الشخصية، والتواصل الإنساني بطرق لا يمكن للذكاء الاصطناعي محاكاتها، ستكون ذات القيمة الأعلى في الاقتصاد الجديد. وقال:«الوجود الفعلي في العالم، وكوننا بشراً نتحرك في واقع مادي، سيكون المحور الأساسي الذي تدور حوله حياتنا».
وأضاف أنه في حين سيشعر المتخصصون في قطاع التكنولوجيا بعدم الارتياح، فإن هذا التحوّل سيكون بمثابة إغاثة لبقية فئات المجتمع، وتابع:«بالنسبة للغالبية العظمى من الأميركيين، سيبدو الأمر أكثر طبيعية وربما أكثر سعادة. إذا كان هناك إفراط في قضاء الوقت أمام الشاشات، فما عليك سوى ترك وكيل الذكاء الاصطناعي الخاص بك يدير الأمر، ليخبرك مرة كل يومين إذا كان هناك شيء يهمك حقاً في محادثات الواتساب».
أفول نجم
وكشف كوين أنه قام شخصياً بإعادة تخصيص ثلثي وقته للتركيز على التوجيه، والخطابة العامة، والأعمال ذات الطابع الإنساني المباشر، مقلّصاً من وقت الكتابة، مضيفاً:«ستصبح الكاريزما والمظهر الخارجي أكثر أهمية، بينما أعتقد أن طبقة المثقفين التقليديين ستشهد تراجعاً في مكانتها.. سيكون عالماً غريباً ومدهشاً للغاية».
وفي حديث خاص لـ«فورتشن»خلف الكواليس، وافق كوين على وجود قواسم مشتركة بين أطروحاته وآراء خبير الاقتصاد السلوكي بجامعة شيكاغو أليكس إيماس، الذي يرى أن«الجانب العلاقاتي في العمل سيصبح نادراً وبالتالي أكثر قيمة». وأكد كوين أن إيماس «مصيب في أمور كثيرة»، لافتاً إلى أنه في عصر الذكاء الاصطناعي، يملك المرء خيارين: إما الانخراط في هذا التحوّل الجذري أو أن يكون ضحية له، مشيراً إلى أن الكثيرين «يكرهون الذكاء الاصطناعي لأنه ممتاز فوق الحد».
تفاؤل مشوب بالاضطراب على المدى الطويل
اعترف الخبير الاقتصادي الأستاذ بجامعة جورج ميسون تايلر كوين بأن توقعاته لا تبدو مستساغة بسهولة لدى الطبقة المهنية التي تلقت وعوداً لجيل كامل بوظائف ومستقبل مستقر، ولهذا السبب يحظى الذكاء الاصطناعي بأقل نسب قبول لدى فئة الشباب.
ورغم ذلك، تظل نظرته بعيدة المدى متفائلة حقاً برؤية حياة أطول، وطب أفضل، ومجتمع أكثر ثراءً، محذراً في الوقت ذاته من إغفال الاضطرابات التي تسبق ذلك؛ حيث قال: «سنعيش واحداً من أكثر الفصول روعة في التاريخ البشري على الإطلاق، سنعيش لفترات أطول وسنعالج الكثير من الأمراض التي تصيب أجسادنا وعقولنا، ولكننا سنشعر على طول هذا الطريق بالاضطراب والإحباط في بعض الأحيان».
