كشف باحثون من «جامعة شيفيلد» البريطانية و«جامعة كومساتس» الباكستانية عن نتائج مفاجئة لدراسة نشرتها مجلة «Frontiers in Pharmacology»، تُشير إلى ابتكار هلام (جِل) يحتوي على سكر «ديوكسيريبوز» — وهو المكوّن الطبيعي للحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين في خلايا الجسم البشري — أثمر معدلات نمو للشعر تعادل ما يحققه «مينوكسيديل»، العلاج الموضعي الأكثر استخداماً في مكافحة الصلع.
ويكتسب هذا الاكتشاف أهمية استثنائية في ضوء ما تكشفه الإحصاءات، إذ يعاني نحو 40 في المئة من سكان العالم من الثعلبة الأندروجينية، وهي الأكثر انتشاراً بين أشكال تساقط الشعر الوراثي.
ولم يكن هذا الاكتشاف وليد بحث موجَّه، بل نشأ من ملاحظة عرضية أثناء دراسة آليات التئام الجروح في الفئران عبر تطبيق هلام «ديوكسيريبوز» موضعياً، إذ لاحظ الباحثون أن الفراء المحيط بمناطق العلاج نما بوتيرة أسرع مما هو مألوف في سائر مناطق الجسم، فانعطفوا بتركيزهم نحو استجلاء تأثيرات هذا السكر الطبيعي على بصيلات الشعر تحديداً.
وصرّحت شيلا ماكنيل، الباحثة في هندسة الأنسجة بجامعة شيفيلد، بأن الدراسة تُرجّح أن علاج تساقط الشعر قد يكون بهذه البساطة: تحفيز تدفق الدم حول بصيلات الشعر باستخدام سكر «ديوكسيريبوز» الطبيعي، ومن ثَمّ تشجيع نموها.
وفي مرحلة الاختبار التجريبي، أعدّ الفريق البحثي هلاماً غير سامٍّ وقابلاً للتحلل البيولوجي يحتوي على «ديوكسيريبوز»، وطبّقه يومياً على الجلد المكشوف لفئران ذكور تعاني من تساقط الشعر المرتبط بالتستوستيرون.
وأسفرت النتائج عن نمو قوي للشعر الطويل والكثيف في المناطق المعالجة في غضون أسابيع قليلة، بمعدلات راوحت بين 80 و90 في المئة، وهي ذاتها التي سجّلها «مينوكسيديل» في المجموعة الضابطة. ولافت في هذه النتائج أن الجمع بين العلاجين معاً لم يُفضِ إلى تحسّن ملحوظ إضافي، ما يُلمّح إلى أن آليتَي العمل قد تتشابكان عند نقطة واحدة في المسار البيولوجي.
وعلى الرغم من أن الآلية الدقيقة التي يعمل بها «ديوكسيريبوز» لم تُحسم بعد، رصد الباحثون ازدياداً في الأوعية الدموية والخلايا الجلدية حول المناطق المعالجة.
وقد أوضح الفريق أن الصلة واضحة بين جودة الإمداد الدموي لبصيلة الشعر وقطرها الكلّي وقوة نموها.
ومن المرجح أن «ديوكسيريبوز» يحفّز تكوين الأوعية الدموية الدقيقة المحيطة بالبصيلات، فيُحسّن تغذيتها ويُحرّك دورة نموها من مرحلة الخمول إلى مرحلة النشاط.
وتمتد الآفاق المحتملة لهذا الاكتشاف إلى ما هو أبعد من علاج الثعلبة الأندروجينية؛ إذ أشار الدكتور محمد أنجوم، الباحث في علم المواد الحيوية بجامعة كومساتس والمشارك في تأليف الدراسة، إلى احتمالية تمديد نطاق التطبيق ليشمل إعادة نمو الشعر والرموش والحواجب لدى مرضى العلاج الكيميائي، فضلاً عن احتمال فاعليته لدى النساء اللواتي يعانين من تساقط الشعر المرتبط بالتستوستيرون — وإن كانت التجارب الحالية اقتصرت على الفئران الذكور.
وتتمثّل الميزة التنافسية الجوهرية لهذا النهج في طبيعة المادة ذاتها؛ فـ«ديوكسيريبوز» مركّب تُنتجه الخلايا البشرية تلقائياً، مما يجعل انعدام التأثيرات الجانبية فرضيةً ذات أساس بيولوجي متين، لا مجرد وعد تسويقي.
غير أن الباحثة ماكنيل أبدت تحفظاً صريحاً إزاء الإفراط في التفاؤل، مشيرة إلى أن البحث لا يزال في مراحله الأولى جداً، وأن التحقق من الفاعلية والسلامة لدى البشر يستلزم المرور بالتجارب السريرية الإلزامية قبل أي حديث عن طرح علاجي فعلي.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الاكتشاف يأتي في سياق حقل بحثي يفتقر تاريخياً إلى التمويل الكافي والاهتمام الأكاديمي الملائم قياساً بحجم المعاناة التي يتسبب فيها تساقط الشعر نفسياً واجتماعياً.
وإذا جاءت التجارب السريرية لتُثبّت ما أظهرته النتائج المبكرة على الحيوانات، فإن هلام «ديوكسيريبوز» سيمثّل تحولاً استثنائياً في خارطة العلاجات الجلدية المتاحة — لا لأنه فعّال فحسب، بل لأنه مُستخلَص من مادة ينتجها الجسم ذاته، ما يفتح الباب أمام نموذج علاجي أرخص وأوسع انتشاراً وأقل إثارةً للمخاوف التنظيمية والبيولوجية في آنٍ معاً.
