– 4 سيناريوهات ترسم ملامح المرحلة المقبلة
– لجم نتنياهو بيد ترامب وحده
– الجيش الإسرائيلي يريد حسم: إما وقف نار حقيقي أو حرب بلا قيود
– ما لم يرفع «حزب الله» علماً أبيض فإن الأبراج والمباني التالية التي ستسقط ستكون في النبطية
– السيناريو الأخطر: لا حرب شاملة ولا سلاما حقيقيا بل ضربات متبادلة يومياً
بعد شهرين من الهدوء الهش، انهار وقف النار بين إسرائيل وإيران «فجأة» لساعات، لتعود الحرب المفتوحة إلى الواجهة. لم يكن الانهيار مفاجئاً بقدر ما كان محسوباً: فبينما يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى كبح جماح إسرائيل حفاظاً على مفاوضاته مع طهران واستضافة كأس العالم 2026، يرى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في الحرب شريان حياة شخصياً وسياسياً.
نتنياهو ينتصر على ترامب
لم تكن ليلة الأحد، مجرد خرق لوقف إطلاق النار، بل كانت تتويجاً لصراع خفي بين واشنطن وتل أبيب دام أسابيع.
وفقاً لعاموس هرئيل، المحلل العسكري الأبرز في صحيفة «هآرتس»، فإن «نتنياهو سعى باستمرار إلى استئناف الحرب، وشكك في فائدة أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، لأن الحرب تخدم مصالحه الحزبية والشخصية».
هرئيل يوثق أن إسرائيل وإيران امتنعتا عن الهجمات المتبادلة منذ ابريل الماضي، لكن نتنياهو ظل يبحث عن الذريعة.
أما يوآف ليمور، الكاتب والمحلل في «إسرائيل اليوم»، فيقدم تفسيراً أعمق للخلفية: «الهجوم الإسرائيلي على بيروت لم يأتِ من فراغ، بل عبر عن إحباط متراكم من وقف نار وهمي. ففي الأسابيع التي قُتل فيها مئات اللبنانيين و18 إسرائيلياً (6 منهم في الأسبوع الماضي فقط)، كان واضحاً أن نتنياهو يريد كسر المعادلة الخطيرة التي ثبت فيها حزب الله النبرة».
المفارقة أن ترامب حاول حتى اللحظة الأخيرة منع الرد الإسرائيلي. هرئيل ينقل أن الرئيس الأميركي دعا إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى المفاوضات، مؤكداً لقناة 12 أنه يعمل على منع أي هجوم على إيران. لكن الجهود فشلت، وشنت إسرائيل هجومها.
معضلة وجودية في البيت الأبيض
تسفي برئيل، كاتب الشؤون العربية والإيرانية في «هآرتس»، يرسم صورة أكثر تعقيداً للموقف الأميركي. فبعد الهجوم على الضاحية الجنوبية في بيروت، الأحد، ساد ترقب حذر على مستويين: ماذا ستفعل إيران؟ وماذا سيفعل ترامب؟ هل سيفتح أبواب جهنم على إيران عبر لبنان، أم سيعاود توبيخ إسرائيل ومحاولة تهدئة إيران عبر الوسطاء؟
برئيل يخلص إلى أن ترامب يواجه معضلة وجودية حقيقية. فمن جهة، هو يخشى أن ينفجر الملف اللبناني في وجه مفاوضاته مع طهران. ومن جهة أخرى، فإن كبح جماح إسرائيل قد يُقرأ في طهران كضعف أميركي.
ويضيف برئيل أن الرئيس اللبناني جوزاف عون يشعر بالقلق أيضاً من أن ترامب يجري مفاوضات موازية مع «حزب الله» عبر رئيس البرلمان نبيه بري، ويخشى فرض أمر واقع عليه.
ترامب، بحسب برئيل، قال إنه «لا يربط بالضرورة بين الساحات»، لكن المحللين يرون العكس تماماً.
كيف تدير إسرائيل الحرب؟
بعيداً عن التصريحات السياسية، يقدّم آفي أشكنازي في «معاريف» وثيقة عسكرية دقيقة نقلاً عن رئيس الأركان الفريق أيال زمير. فالجيش يريد حسم المسار: إما وقف نار حقيقي، أو حرب بلا قيود.
السيناريو العسكري الإسرائيلي يتكشف في ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى – الضاحية: الجيش لا يعتزم «إسقاط مبانٍ» لأنه ببساطة لم يعد هناك مبانٍ كثيرة صامدة. الهدف الآن هو القيادات البديلة للحزب على مختلف المستويات التنظيمية والقيادية.
المرحلة الثانية – النبطية: بحسب أشكنازي، فإن «مركز الضغط المحتمل التالي هو منطقة تلال النبطية ومدينة النبطية، التي تعتبر مركز ثقل لحزب الله». الجيش يوجه رسالة واضحة: إذا لم يرفع الحزب «علماً أبيض»، فإن الأبراج والمباني التالية التي ستسقط ستكون في النبطية.
صور وصيدا: الرسالة المفهومة من تل أبيب أن لا مدينة لبنانية محصنة من الاستهداف إذا استمرت الحرب.
حكومة لبنان خارج اللعبة
تسفي برئيل يشرح كيف تستغل طهران مفهوم «وحدة الساحات» لصالحها. فإيران، تعتبر نفسها الجهة الوحيدة المخولة بالتفاوض حول مستقبل لبنان، وليس حكومة بيروت.
وما يساعد إيران هو أنها تستطيع في هذا الصراع مع الحكومة اللبنانية أن تعتمد على إسرائيل نفسها: فكلما زادت الضربات الإسرائيلية، زادت شرعية إيران كـ«حامية للمقاومة». حكومة لبنان، في هذه المعادلة، تكاد تكون متفرجة على مصيرها.
من يستطيع لجم نتنياهو ووضع حد لهذه الحرب؟
هذا هو السؤال الأصعب في التقرير بأكمله. رفيف دروكر، في مقاله الناري في «هآرتس»، يوجه الاتهام مباشر إلى المؤسسة الأمنية نفسها.
دروكر يتذكر أن رؤساء المؤسسة الأمنية كانوا يعرفون تماماً ما تفعله حكومة نتنياهو قبل 7 أكتوبر 2023: تعزيز الانقسام بين «حماس» «وفتح»، إضعاف السلطة الفلسطينية، الاستيلاء على أراضيها وأموالها.
ورغم أنهم كانوا يرون بالعين المجردة كيف تضعف السلطة وتتآكل، «لم يتجرأ أي شخص في المؤسسة الأمنية على مواجهة نتنياهو في شأن سياسته».
أما المعارضة فليست أفضل حالاً
دروكر يكشف أن قادة كتلة «فقط ليس بيبي» لن يضغطوا على نتنياهو للسماح للسلطة الفلسطينية بالسيطرة على غزة، ولن يتجرأ أي شخص على مطالبة نتنياهو بطرح رؤية حل الدولتين.
ويشير إلى تصريح يائير لابيد، زعيم المعارضة، بأن «الدولة الفلسطينية لن تقوم في السنوات العشر المقبلة». فمن أين سيأتي الضغط على نتنياهو إذا كانت المعارضة تتبنى نفس الرؤية؟
ترامب يريد وقف التصعيد لكنه يخشى فشل مفاوضاته
اللواء احتياط عاموس يدلين (رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق) والعقيد احتياط أودي أفنتال يقدمان في تحليل نشره موقع N12 ومعهد Mind Israel قراءة استراتيجية باردة للضغوط الأميركية.
تحذيرهما واضح: «إذا ما كبح ترامب جماح إسرائيل مجدداً، فسيعزز ذلك فهم إيران لحرصه على التوصل إلى إطار تفاهمات معها ينهي الحرب. وإيران، التي تدرك هذا الواقع، ليست في عجلة من أمرها لإتمام المحادثات مع الولايات المتحدة، إذ تشعر بأنها في موقف قوي يمكنها من انتزاع المزيد من التنازلات من واشنطن».
لكن يدلين وأفنتال يقترحان مساراً مختلفاً على إسرائيل: أن تُفهم ترامب ليس فقط الضرر الذي تُلحقه العلاقة الإيرانية – اللبنانية بالمصالح الأميركية، بل أيضاً الفرصة التي تُتيحها هذه العلاقة كوسيلة ضغط على إيران نفسها. فأي هجوم على الضاحية سيضع إيران في مأزق حقيقي: إما أن ترد (فتدخل في حرب لا تريدها) أو لا ترد (فتفقد مصداقيتها).
أربعة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
استناداً إلى المصادر الموثقة في هذا التقرير، يمكن استخلاص أربعة سيناريوهات رئيسية تحتمل المرحلة المقبلة:
التصعيد المحدود – «النبطية أولاً» (احتمال 55 في المئة)
تواصل إسرائيل تنفيذ تهديداتها باستهداف النبطية، ثم صور وصيدا، مع تجنب حرب شاملة مع إيران. يبقى القتال محصوراً في لبنان، وترد إيران بصواريخ بالستية محدودة لا تستهدف المدن الكبرى.
العقبة: حزب الله لن يقبل ضرب معاقله من دون رد كبير، وإيران قد تضطر للرد بقوة للحفاظ على مصداقيتها أمام وكلائها في المنطقة.
الحرب المفتوحة – السيناريو الأسوأ (احتمال 20 في المئة)
تضرب إسرائيل منشآت نووية إيرانية أو قيادات الحرس الثوري، وتُصعّد إيران بإغلاق مضيق هرمز واستهداف القواعد الأميركية، مما قد يجبر واشنطن على التدخل مباشرة.
لكن من يمنع هذا السيناريو؟ الولايات المتحدة (ترامب يريد كأس العالم وليس حرباً جديدة)، وقادة الجيش الإسرائيلي أنفسهم (الموارد غير متوفرة بعد حرب متعددة الجبهة استمرت عامين ونصف العام).
الضغط الأميركي لفرض وقف نار جديد – «الصفقة الكبرى» (احتمال 40 في المئة لكنه هش)
يستغل ترامب نفوذه لإجبار إسرائيل على وقف هجماتها مقابل تعهدات أميركية بتسريع صفقات الأسلحة وتأكيدات أمنية. وفي المقابل، تقدم إيران تنازلات محدودة في المفاوضات النووية. لكن التجربة السابقة تؤكد أن أي وقف نار بهذه الصيغة سيكون هشاً وقصير الأجل، لأن جذور الصراع لم تُعالج.
حرب استنزاف طويلة الأمد (احتمال مرتفع لكن لم يُناقش كافياً)
سيناريو صامت لكنه الأخطر: لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، بل ضربات متبادلة يومية أو أسبوعية، استنزاف اقتصادي لكلا الطرفين، ومجتمع دولي عاجز عن وقف النزيف. هذا السيناريو قد يطول لأشهر، بل لسنوات، ويُحدث نزوحاً جماعياً في لبنان وإخلاءات واسعة في شمال إسرائيل.
هل هناك مخرج؟
بعد توثيق كل هذه الوقائع والتحليلات، تبرز حقيقة قاسية: إسرائيل تدير حرباً من دون رؤية استراتيجية واضحة. الجيش يريد «حسماً عسكرياً»، والمستوى السياسي يتردد خوفاً من واشنطن وطهران معاً.
أما لجم نتنياهو فلن يأتي من المؤسسة الأمنية (التي لم تتجرأ يوماً على مواجهته) ولا من المعارضة (التي لا تريد بديلاً سياسياً حقيقياً)، بل من البيت الأبيض وحده.
الرياضيات الإقليمية معقدة، والوقت ليس في صالح أحد. الأكيد الوحيد هو أن المنطقة بأكملها دخلت مرحلة جديدة من المواجهة، لن تكون الضاحية ولا النبطية آخر محطاتها.
