
مع نهاية الشهر الجاري يكون قد مضى 4 فترات ربع سنوية لم تُصدر فيها الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية تقريرها الفصلي الخاص بمتابعة الخطة السنوية، والتي كان آخرها ما نشرته الأمانة عن فترة الربع الأول من 2025/ 2026، الذي قاس الفترة من 1 أبريل إلى 30 يونيو من العام الماضي، وبعدها لم يصدر أي تقرير للمتابعة!
فقد مرّت الفترات المنتهية في الأرباع الثاني والثالث والرابع من عام 2025/ 2026، من دون إصدار «أمانة التخطيط» أي تقرير للمتابعة، ليكون آخر التقارير الصادرة عن هذه الجهة هو المشار إليه أعلاه في الربع الأول، وهو تقرير بقدر ما احتوى على شجاعة في عرض البيانات، فإنه كشف في المقابل إخفاقاً شنيعاً في أعمال الجهاز التنفيذي للدولة من حيث الأداء والإنجاز وحتى تنفيذ الأعمال.
هناك خشية أن تُصدر «التخطيط» تقريراً يلقي باللائمة في تأخُّر التنفيذ والإنجاز على تداعيات الحرب الإقليمية
إخفاقات وانحرافات
فتقرير المتابعة للربع الأول من 2025/ 2026 كشف بالأرقام الرسمية عن إخفاقات كبيرة في أداء الجهاز التنفيذي للدولة، فضلاً عن الانحراف عن الأهداف المحددة لرؤية الكويت 2035، إذ لم يُنجز أي مشروع من ضمن 141 مشروعاً مدرجاً في الخطة السنوية، كما لم تسجّل المشاريع ذات الأولوية الحكومية كمشروع مطار الكويت الجديد، وميناء مبارك الكبير، تقدّماً يُذكر، فضلاً عن توقُّف مشاريع مهمة، مثل مشاريع الدبدبة لتوليد الطاقة، ومحطة الشقايا الثالثة، أو مشروع تحلية المياه بالطاقة المتجددة، أو مشروع خفض البصمة الكربونية.
غير أن الإخفاق الأكبر تمثّل في النتائج الصفرية التي عكسها الموقف التنفيذي لمرتكزات رؤية الكويت 2035، التي حملت أرقاماً صفرية لـ 5 من أصل 9 مرتكزات هي «بناء منطقة اقتصادية دولية – التخصيص العام – تعزيز قطاع خاص ديناميكي – تعزيز قدرات المواطنين، بل إن الصفر في الإنجاز شمل حتى مرتكز تطوير حكومة مترابطة وشفافة، وهو اعتراف حكومي لافت بالتقصير وضعف الشفافية»، أما أعلى المرتكزات إنجازاً، فكان «تشييد بنية تحتية متماسكة» عند نسبة لم تصل عند 11 بالمئة، في حين سجّل متوسط أداء المرتكزات الـ 9 حسب الجدول المرفق 2.25 بالمئة فقط.
محور تطوير حكومة مترابطة وشفافة نال درجة صفر في التقرير… وهو اعتراف حكومي بالتقصير وضَعف الشفافية
مفهوم التنمية
بالطبع، المأخذ على الخطة السنوية التي يُفترض أن تعكس أداء رؤية الكويت 2035 أكبر من مجرّد صفرية الإنجاز في المرتكزات، فالعلّة في فلسفة الخطط التنموية عميقة، لكونها تهتم بما ينفق من مصروفات مالية على الخطط والمشاريع، أو ما ينفّذ على صعيد أعمال البناء والإنشاء، أو على صعيد الإجراءات الإدارية، وليس التي تحقق مفهوم التنمية الاقتصادية، أي بما يتحقق من معالجات مستدامة للاقتصاد؛ كتنويع الإيرادات وتوطين فرص العمل، أو تنمية الناتج المحلي الإجمالي.
التنمية ليست مصروفات مالية أو أعمال بناء أو إجراءات إدارية… بل معالجة مستدامة للاقتصاد
مستوى الشفافية
واللافت أن توقُّف الأمانة العامة للتخطيط والتنمية عن إصدار تقارير المتابعة الفصلية للخطة التنموية تزامن مع توقّف وزارة المالية عن إصدار تقارير المتابعة الشهرية لحسابات الإدارة المالية للدولة لإيرادات ومصروفات الموازنة العامة، وهو ما يشير إلى إهمال جسيم في التعامل مع البيانات الاقتصادية والمالية المهمة، وعدم إدراك أهميتها للتحليل أو تقويم الانحرافات، كما أنه يفتح الباب لـ «ظنون» حول وجود توجُّه حكومي لخفض مستوى شفافية الجهات الاقتصادية وحتى الرقابية، لا سيما مع منع نشر التقارير التي يصدرها ديوان المحاسبة!
فالحديث اليوم عن وجود حكومة أداء مستقرة تمتلك صلاحيات تشريعية وتنفيذية استثنائية يفتح المجال للمطالبة بالإنجاز والشفافية وليس تراجعهما معاً.
تجميع أعمال
وعندما نتحدث عن خطة التنمية الحالية، فنحن نقيّم خطة التنمية الرابعة، لذلك فمن الإنصاف القول إن خطط التنمية الثلاث السابقة، منذ إطلاقها عام 2008/ 2009، لم تكن ناجحة في أساسها ولا نتائجها، فكل الخطط التنموية بالكويت هي في حقيقتها تجميع لأعمال الوزارات والجهات الحكومية، وتركيز على الإنفاق المالي وأعمال المقاولات والبناء والقرارات الإدارية، ولا علاقة لها بتنويع الاقتصاد ولا زيادة حجمه، ولا ربط التعليم باحتياجات سوق العمل، ولا تعمل على جعل القطاع الخاص مفيداً للاقتصاد.
بل إن أهم مشروعين يتكرر الحديث عنهما، كمشاريع ذات أولوية وأهمية، هما مشروعا المطار وميناء مبارك، لا يوجد في الخطة التي تعبّر عن رؤية الكويت 2035، بعد انطلاقها بـ 8 سنوات، وقرب حلولها بـ 10 سنوات، ما يشير إلى أثر هذين المشروعين في التحول الاقتصادي والانفتاح التجاري والشراكات الاستراتيجية وآليات التشغيل والمنافسة الإقليمية، وغيرها من المعايير التي تمثّل الغرض من المشروع، وليس فقط مجرّد بنائه أو تشغيله.
لا مبرر
وهناك خشية من أن تصدر الأمانة العامة للتخطيط والتنمية تقريراً عن فترة الربع الأول من العام الحالي 2026 – 2027، كي تلقي باللائمة في تأخُّر التنفيذ والإنجاز على تداعيات الحرب الإقليمية، وما صاحبها من تبعات اقتصادية، وهو لن يكون عذراً مبرراً إلّا إذا نشرت قبله تقارير 3 فترات فصلية (الثاني والثالث والرابع) من العام الماضي، ليتبيّن إن كان التأخر والتعثّر في تنفيذ المشاريع وتحقيق أهداف مرتكزات الرؤية مرتبطاً بالحرب، أم أنه امتداد لإخفاقات الإدارة العامة، بغضّ النظر عن أي ظرف إقليمي.
