
في ظل غموض يكتنف مسار التفاوض الأميركي – الإيراني، وعلى وقع توتر عسكري منضبط واحتقان سياسي داخلي بين تيار «الحرس الثوري» المتشدد وتيار آخر مؤيد للرئيس مسعود بزشكيان، أكد الأخير في تصريحات أن «مذكرة التفاهم» التي وقّعها هو والرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ أسبوعين حظيت بموافقة المرشد المتواري عن الأنظار مجتبى خامنئي.
وقال الرئيس الإيراني، خلال لقائه أعضاء الحوزة الدينية في قُم، إن «الاتفاق أُنجز في إطار السياسات العامة للنظام، وبتنسيق كامل مع المرشد، وبدعم من المجلس الأعلى للأمن القومي».
وعبّر الرئيس عن أسفه لمحاولة بعض التيارات تشويه صورة فريق التفاوض والتشكيك في القرارات الوطنية، متهماً تلك التيارات بأنها تتماشى مع رغبات «الأعداء» في تقويض اتفاق الإطار الذي وصفه بأنه «إنجاز تاريخي للأمة الإيرانية في مجال الدبلوماسية».
وفي تصريح منفصل، شدد بزشكيان على أن التفاهم المتبادل يمثّل طريقاً ذا اتجاهين، مؤكداً أنه إذا التزم الجانب الأميركي بالاتفاق المُبرم، فإن طهران ستفي بجميع التزاماتها المقابلة.
تفاوض وغموض
في هذه الأثناء، أضفت «الخارجية» الإيرانية المزيد من الغموض على مسار تفاوضها مع واشنطن، رغم توجُّه فريق إيراني إلى الدوحة بالتزامن مع وجود المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف ومستشار الرئيس الأميركي جاريد كوشنر بها، أمس، بعد أن أعلن الرئيس الجمهوري دونالد ترامب أن طهران طلبت عقد مشاورات في قطر.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، أمس، إنه لم يكن هناك أي اجتماع مجدول خلال هذه الأيام مع الجانب الأميركي، زاعماً أن مباحثات فريق إيران ستكون مع الوسيط القطري غداً في الغالب حول تنفيذ مذكرة إسلام آباد، وخصوصاً البند رقم 11 المتعلّق بالإفراج عن أموال إيران المحتجزة.
وأعلن بقائي تشكيل فريق عمل خاص لمراقبة تنفيذ «مذكرة التفاهم»، مشيراً إلى أن الفريق يتولى رصد جميع حالات الإخلال أو الخرق للالتزامات الواردة بها.
ومن دون أن يخوض في تفاصيل اتفاق إطار وُقّع بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل برعاية واشنطن، الجمعة الماضية، ونصّ على انسحاب تدريجي لجيش الاحتلال من جنوب لبنان، ذكر أن «الولايات المتحدة متعهدة بإنهاء إسرائيل الحرب على لبنان بمذكرة إسلام آباد، وعليها الالتزام بتعهُّداتها».
وساطة وأموال
في هذه الأثناء، أوضح المتحدث باسم «الخارجية» القطرية ماجد الأنصاري، أن مبعوثي واشنطن ويتكوف وكوشنر موجودان في الدوحة للقاء الوسطاء، وبحث سير المفاوضات التقنية التي لم تتوقف بين طهران وواشنطن.
وغداة تصريح الرئيس الإيراني بأنه تم الاتفاق على فك 6 مليارات من أرصدة بلاده المجمّدة بالدوحة، أكد الأنصاري أن الأموال الإيرانية المجمدة لدى قطر «لم تُحوّل لطهران بعد، وتخضع لاتفاق عام 2023»، مشيراً إلى أنها «مخصصة لشراء السلع الإنسانية». وبيّن أن تحويل الأموال سيتم التوافق عليه بين الطرفين الأميركي والإيراني، وقال إن مسألة الأموال المجمدة مرتبطة بتطوّر المفاوضات.
وأضاف الأنصاري أنه «تم استخدام خط اتصال مباشر لتهدئة التوتر في هرمز واحتواء المواجهات، خلال الأيام القليلة الماضية»، مشيراً إلى التنسيق مع مسقط بشأن المضيق والعبور الآمن للسفن.
في غضون ذلك، تحدثت أوساط إقليمية عن اجتماع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، محمد بن عبدالرحمن، بالوفدين الإيراني والأميركي والوسطاء الباكستانيين في الدوحة، تمهيداً لإجراء مفاوضات غير مباشرة بوجود الوسطاء اليوم. وأضافت أن المفاوضات ستركز على «هرمز» والاستقرار العام.
مصرع مُنظّر «حصار هرمز» بحادث غامض ومقتل عنصرين من «الحرس» بمواجهة مع خلية متسللة
ورغم تشديد واشنطن على أن منح الأموال مرتبط بالتقدم في تنفيذ طهران لالتزاماتها، أشارت المصادر الإقليمية إلى أن إيران ستحصل في نهاية الأسبوع على 3 مليارات دولار من أموالها المجمدة وفق اتفاق تبادل السجناء الذي عُقد في 2023.
وكان ترامب قد قال تعليقاً على اجتماع الدوحة، إن الإيرانيين يتوجهون إلى قطر أو هم على وشك الانطلاق، مضيفاً أنه سيتم انتظار ما ستؤول إليه النتائج.
وأضاف أن الاجتماع «قد يكون مهماً وقد لا يكون»، وإن ذلك سيتضح لاحقاً. وذكر أنه «من الناحية العسكرية نحن ننتصر، وأعتقد أن الأمر عسكرياً أوشك على الانتهاء»، لافتاً إلى أن الهدف هو «نزع السلاح النووي الإيراني»، ومشيراً إلى أن الإيرانيين «وافقوا على ذلك».
صِدام «هرمز»
من جهة ثانية، استخدمت طهران نبرة تصادمية تجاه سلطنة عمان وفرنسا، غداة مباحثات بين السلطان هيثم بن طارق والرئيس إيمانويل ماكرون في باريس، اشتملت على إعلان الأخير استعداده للمشاركة مع مسقط ضمن جهد دولي لإزالة الألغام الإيرانية من «هرمز».
ووصف رئيس اللجنة الفنية بالمفاوضات مع الولايات المتحدة، كاظم غريب آبادي، وضع المضيق بأنه «حساس ومُعقّد»، موجهاً تحذيراً إلى فرنسا من اتخاذ خطوات من شأنها زيادة التوتر، ومؤكداً أن إزالة الألغام «ستُنفذ من قبل إيران فقط، وفقا لمذكرة التفاهم».
وبعد بدء لجنة مشتركة إيرانية – عمانية بحث «مستقبل إدارة هرمز»، وكشف وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي ملامح خطة تعمل بلاده عليها لإعادة الاستقرار للممر الاستراتيجي، تتضمن خطوطها العريضة رفضاً قاطعاً لفرض رسوم عبور على السفن، مع الانفتاح على بحث «مسار طوعي لتنظيم تحصيل رسوم تأمين بيئية وخدمية»، على غرار أنظمة معمول بها حول العالم؛ قال آبادي إنه إذا لم تشارك مسقط في خطة إدارة المضيق فسنمضي بمفردنا. وأضاف أن طهران أبلغت مسقط بضرورة إعادة تحديد ممرات العبور في «هرمز»، حيث يغلق «الحرس الثوري» الممرات الرئيسية بواسطة ألغام بحرية وتهديدات معقّدة في تحرُّك يرمي لفرض جباية على عبور السفن.
وفسّر آبادي نص «مذكرة إسلام آباد» على احترام حقوق السيادة للدول الساحلية المطلة على المضيق، بأنها تعني سيادة إيران في هذه المنطقة، وأن إدارة «هرمز» تقع على عاتق الدول المطلة عليه، مؤكداً أن المضيق «لن يعود إلى وضعه السابق».
وجاء ذلك في وقت أقر المتحدث باسم «الخارجية» الإيرانية بعرقلة بلاده عبور بعض السفن لمسارات «لم تحددها» طهران، في إشارة إلى المسار المؤقت الذي تم تدشينه بالتنسيق بين مسقط وواشنطن والأمم المتحدة، وأكد أن بحرية «الحرس الثوري» ستواصل تطبيق الإجراءات التي تراها ضرورية لضبط حركة السفن.
حادث واضطرابات
ميدانياً، لقي مسؤول إيراني رفيع المستوى في بحرية «الحرس الثوري»، مصرعه ويدعى محمد أكبر زاده، وهو أحد أبرز المنظّرين الإيرانيين لسياسة فرض الحصار والهيمنة على مضيق هرمز الاستراتيجي، في حادث انقلاب سيارة غامض بمحافظة كرمان أمس.
وفي واقعة منفصلة، أعلن «الحرس الثوري» تفكيك خلية مسلّحة «إرهابية وانفصالية»، تسللت عبر الحدود الشمالية الغربية للبلاد بمحافظة أذربيجان الغربية، لافتاً إلى مقتل 4 عناصر من الخلية المكونة من 6 أشخاص.
وعلى جانب آخر من الحدود قرب العراق، أفادت السلطات الإيرانية بمصرع عنصرين من «الحرس الثوري» وإصابة 2 في هجوم مسلح استهدفهم بمدينة باوه.
