شركات التكنولوجيا العظمى وجدلية الأمن والصراع


لم تعد القوة في النظام الدولي تقاس بحجم الجيوش أو الترسانات العسكرية، أو القدرة الاقتصادية للدول فقط، بل أصبحت تقاس أيضاً بامتلاك القدرة على إنتاج المعرفة الرقمية، وإدارة البيانات، والتحكم في البنية الخوارزمية التي أصبحت تشكل عصب الحياة الحديثة. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مرتبطة فقط بمن يسيطر على الأرض أو البحر أو الجو، بل بمن يمتلك القدرة على التأثير في الفضاء الرقمي الذي تتداخل فيه مصالح الأفراد والمؤسسات والدول. إن العالم يشهد اليوم انتقالاً سريعاً في طبيعة القوة، من السيطرة على الجغرافيا السياسية إلى التأثير في البنية الخوارزمية، ومن امتلاك الموارد الطبيعية إلى امتلاك البيانات والمعرفة الحوسبية. وهذا التحول يفرض إعادة النظر في العديد من المفاهيم التقليدية في العلاقات الدولية، وفي مقدمتها مفهوم الهيمنة.

منذ معاهدة وستفاليا 1648، حيث تشكلت الدولة الحديثة والتي تقوم على أساس وجود شعب له مواطنة واحدة، وإقليم محدد جغرافياً، وسلطة تتمتع بالاعتراف وتمتلك السيادة، كانت الدولة هي الفاعل الأول والأساسي في تفاعلات العلاقات الدولية. وعلى الرغم من توالي ثورات تكنولوجية عدة، من الأولى عند اكتشاف المحرك البخاري (1760-1840)، والثانية حين تم اكتشاف الكهرباء عام (1870-1914)، والثالثة عند استخدامات الكمبيوتر والحواسيب الإلكترونية (1960-2000)، حافظت الدولة على قوة مركزيتها في النظام العالمي. وعلى الرغم من بروز الفاعلين من غير الدول منذ منتصف القرن العشرين تقريباً مثل الشركات المتعددة للجنسيات والمنظمات الحقوقية والإنسانية والبيئة وغيرها، إلا الدولة لم تتزعزع مكانتها كفاعل رئيسي أوحد في العلاقات الدولية. وعلى الرغم من تأثير الفاعلين من غير الدول على الاجندات السياسية للدول وأولويات الداخلية، إلا أنها لم تشكل تهديداً أو تأثيراً على أحادية سيادتها وسلطتها وهويتها.

وفي كل تلك المراحل، كانت الدولة هي الفاعل الأساسي في إنتاج القوة وممارستها. إلا أن الثورة الصناعية (التكنولوجية) الرابعة التي بدأت مع بزوغ فجر الألفية الثالثة، وما صاحبها من تطورات هائلة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة والبيانات الضخمة، فرضت واقعاً جديداً لم تعد فيه الدولة وحدها الفاعل القادر على امتلاك أدوات النفوذ والتأثير. فقد ظهرت شركات تكنولوجية عملاقة تجاوزت حدود النشاط التجاري التقليدي، وأصبحت تمتلك بنية تحتية رقمية يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، والمؤسسات الحكومية، والمجتمعات الحديثة. فهي تسيطر على قطاعات إستراتيجية تشمل الرقائق الإلكترونية المتقدمة، والحوسبة السحابية، وأنظمة التشغيل، ومحركات البحث، ومنصات البيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ويكشف حجم التحول في طبيعة القوة الاقتصادية العالمية عند مقارنة هذه الشركات التكنولوجية الجديدة بالشركات الصناعية التقليدية التي شكلت لعقود طويلة رموزاً للتفوق الاقتصادي العالمي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد شركة NVIDIA، التي تأسست عام 1993، قد أصبحت خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً من أكثر الشركات تأثيراً في العالم بسبب دورها المحوري في تطوير معالجات الذكاء الاصطناعي ووحدات المعالجة المتقدمة التي تقوم عليها معظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة. وهذه الشركة الفتية أصبحت حالياً في المرتبة الأولى عالمياً في القوة المالية. وفي المقابل، نجد شركة Toyota، التي تأسست عام 1937، والتي تمثل نموذج الاقتصاد الصناعي التقليدي القائم على المصانع، والهندسة الصناعية، وقد كانت لعقود طويلة رمزاً للتفوق الصناعي الياباني والعالمي، تحتل في الوقت الراهن المرتبة 50 تقريباً في القوة المالية بين الشركات العالمية العظمى. إن المقارنة بين هاتين الشركتين لا تعني بأن القيمة السوقية وحدها هي التي تعكس حجم القوة الاقتصادية، لكنها تكشف تحولاً جوهرياً في مصادر القوة العالمية. فقد بنت الشركات الصناعية التقليدية قوتها على امتلاك المصانع والقدرة الإنتاجية، بينما تبني الشركات الخوارزمية قوتها على امتلاك المعرفة الرقمية، والقدرة الحاسوبية، والبيانات، والتقنيات التي أصبحت تمثل موارد إستراتيجية في الاقتصاد العالمي الجديد.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على NVIDIA، بل تشمل عدداً من الشركات التي أصبحت تتحكم في أجزاء أساسية من البنية الخوارزمية العالمية. فشركة Google (الثالثة عالمياً) تمتلك منظومة واسعة في مجال البحث الرقمي، والبيانات، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي. كما أصبحت شركة Microsoft (الرابعة عالمياً) لاعباً رئيسياً في البنية الرقمية للمؤسسات والحكومات من خلال أنظمة التشغيل والخدمات السحابية واستثماراتها الواسعة في الذكاء الاصطناعي. أما شركة Apple (الثانية عالميا) فقد بنت منظومة متكاملة تجمع بين الأجهزة الذكية، وأنظمة التشغيل، والخدمات الرقمية التي يعتمد عليها مئات الملايين من المستخدمين حول العالم، ويكفي ان لهذه الشركة أكثر من 2.5 مليار مستخدم لمنتجاتها الذكية.

وليس من المبالغة القول، بأن أهمية هذه الشركات لا تكمن فقط في قيمتها المالية، وإنما في امتلاكها عناصر القوة الجديدة التي تتمثل في الرقائق، والبيانات، والمنصات الرقمية، والقدرة الحاسوبية، والبنية السحابية، والخوارزميات. ولهذا، فإنها لم تعد مجرد شركات تجارية تهدف إلى تحقيق الأرباح، بل أصبحت في قيد الفاعلين المؤثرين في النظام الدولي الراهن وفي العلاقات الدولية كعلم تدرس مفاهيمه الحديثة في الجامعات، وكمهنة تتعامل الدول بمقتضياته ووسائله الحديثة التي فرضتها الثورة التكنولوجية الرابعة.

وأهم ما يلفت النظر في هذا التطور الذي فرضته الثورة التكنولوجية الرابعة هو أن هذه الشركات العظمى تعتبر هي المسيطر الأول على المعلومات والبيانات وليس الدول كما كان الوضع في السابق. وهذه السيطرة والانتشار زودها بقوة لفرض سيادتها الرقمية التي تزاحم الدول بل وتستطيع تحديها، إن شاءت، لكون الدول في الوقت الراهن لا تستغني عن الخدمات التقنية والخوارزمية التي تقدمها تلك الشركات لها.

لذلك، فهذه الشركات أصبحت شريكة في السيادة وفرض هوية مختلفة للدول والافراد، علاوة على تغلغلها في محاور الأمن والصراع. فكما استطاعت هذه الشركات أن تفرض التداخل والتقارب وتصغير العالم وتقديم التسهيلات في مجالات الاتصالات والخدمات، فعنها في الوقت ذاته يمكن أن تكون، أو بالفعل تمارس بصورة خفية، عمليات الاستخبارات والهندسة الاجتماعية والسياسية فضلاً عن قدرتها الهائلة في ممارسة الضغوط الاقتصادية والسياسية لانتزاع مصالحها من المستخدمين سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو حتى دولاً.

في المقال المقبل (الثاني) سنناقش كيف تتحول الهيمنة الخوارزمية إلى تهديد صامت للأمن القومي الخليجي.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *