تُعدّ مايا يزبك من أبرز الأصوات اللبنانية التي لمع نجمها في ثمانينات القرن الماضي، واشتهرت بتقديم الأغنية اللبنانية الخفيفة ذات الطابع الشعبي والرومانسي. وهي تنتمي إلى عائلة فنية عريقة، كونها ابنة الملحن الراحل جورج يزبك، وشقيقة ضابط الإيقاع باسم يزبك، وقد شكّل الثلاثة معاً فريقاً فنياً أسهم في إطلاق عدد من الأغنيات التي مازالت حاضرة في ذاكرة الجمهور، وفي مقدمتها «حبيبي يا عيني» و«بكرا رح بتسافر» و«سمعوا خطوة حبيبي».
ورغم ابتعادها عن الساحة الفنية لأكثر من ثلاثة عقود بعد زواجها وتفرغها لعائلتها، بقيت أغنياتها حاضرة في الحفلات والبرامج الفنية، قبل أن تعود أخيراً إلى الغناء بأعمال جديدة، مستفيدةً من تعاونها مع ابنها باسم زوائدي في التلحين والإنتاج، في محاولة لاستئناف مسيرتها الفنية ومواكبة الجيل الجديد.
يزبك، تحدثت إلى «الراي» عن هذه العودة، معتبرة أنها لا تعود لمجرد العودة، بل تريد أن تقدم شيئاً خاصاً.
• بعد غياب 30 عاماً عن الساحة طرحت ألبوماً جديداً من دون أن تنظمي مؤتمراً صحافياً أو تقومي بحملة إعلانية، لماذا؟
– هذا صحيح، ربما كان التوقيت غير مناسب، وبعدها جاءت فترة كأس العالم، وكنتُ أُصدر أغنية تلو الأخرى. الألبوم يتضمن عشر أغنيات، فضلاً عن ثلاث أخرى طرحتها في فترات متلاحقة.
• وما الذي يجعل فناناً يعود بعد غياب 30 عاماً؟
– الأمر مرتبط بظروفي الشخصية، فأنا أمّ قبل أن أكون فنانة. عندما كنتُ في الفن تزوجتُ وأصبح لديّ أولاد، وكبرت عائلتي، فاضطررتُ إلى وقف مسيرتي الفنية والتفرغ للأولاد، لأنني وزوجي كنا في المجال عينه، وكنا سنضطر إلى الغياب عن الأولاد، خصوصاً أنهم كانوا صغاراً.
•… ومرّ الوقت لكن حبك للفن لم يختفِ، وهذا ما دفعك إلى الإصرار على العودة؟
– إضافة إلى حبي للفن، فلقد كبر أولادي وأصبحت أشعر بفراغ، وكما يُقال: الفن يجري في دمي. لذلك، أردتُ أن أعود إلى المكان الذي كان يجب أن أكون فيه، فأنا أملك صوتاً ولديّ خلفية فنية. كما أنني وزوجي ننتمي إلى عائلتين فنيتين وحتى ابني، الذي يتولى أعمالي حالياً يلحن لي ويعمل على الأغنيات الخاصة بي.
• ماذا عن الألبوم ومع من تعاملتِ فيه؟
– الألبوم يضم أغاني جديدة، وأخرى أعدنا تقديمها لأنها حققت انتشاراً كبيراً، ولكننا عدنا وأضفنا إليها بعض اللمسات الجديدة، من بينها أغنية «ما تكملش» من ألحان زوجي مازن زوائدي وكلمات نبيل أفيوني وهي باللهجة المصرية، و«قلبي مجروح» من كلمات وألحان رياض العلي وقدّمها لي بلون جديد. أما الأغنيات الأخرى، فهي من ألحان ابني باسم. كنا في كل فترة نعمل على أغنية معينة في الاستوديو الصغير الذي أسسه في المنزل، وجمعناها في باقة واحدة، لأنها أصبحت جاهزة، ومن غير المناسب أن تبقى محفوظة من دون إصدار. وبما أنه لا توجد حالياً جهة تدعمني، سواء شركة إنتاج أو مدير أعمال، قررنا إصدارها بأنفسنا كإثبات وجود ولكي أؤكد أنني مازلت قادرة على تقديم أعمال وأغنيات جميلة. وعندما يصبح لديّ مدير أعمال يمكن أن أنطلق أكثر في هذا المجال، فأنا أعمل حالياً ضمن الإمكانات المتاحة.
• كيف خططت للعودة بعد كل هذا التغيّر الذي شهده الفن اليوم، وبعد غياب ثلاثين عاماً، خصوصاً أن هناك نوعاً جديداً من الأغنيات وثمة فنانين جدد استطاعوا فرض أنفسهم بقوة، وبعضهم يحقق نجاحاً أكبر من نجوم الصف الأول؟
– لديّ ثقة كبيرة بنفسي وبابني باسم، فهو موزّع وملحّن، ويثبت وجوده حالياً في مجال الفن الشرقي والأغنية العربية. هو درس في المعاهد الموسيقية، ولديه أساتذة في الموسيقى الكلاسيكية.
• … هي تجربة فنية خاصة بين أم وابنها؟
– نعم، ولديّ ثقة بأن الأغنيات التي أقدمها مميزة ومختلفة عما يقدمه الآخرون. وهذه هي النقطة التي أريد التركيز عليها؛ أنا لا أعود لمجرد العودة، بل أريد أن أقدم شيئاً خاصاً، وأن أترك لألحان ابني باسم مساحة لكي تظهر، لأننا من عائلة فنية واحدة. أقدّر نفسي كثيراً، لأنني مطربة من الزمن الجميل، وفي الوقت عينه أعمل على تقديم أغنيات جديدة. كل ما أريده هو أن أُثبت وجودي، وإذا كان لي نصيب في العودة إلى الساحة الفنية بجدارة، فسأعود.
• أي أنكِ لا تريدين أن تتواجدي لمجرد الوجود؟
– لم أعد لكي أفرض نفسي بالقوة، بل لأثبت أنني موجودة وأستطيع أن أقدم شيئاً جديداً وأن أثبت حضوري بطريقة طبيعية.
• هل تعتقدين أن العودة إلى الفن بجدارة تكفي في هذا الزمن؟
– لديّ إيمان بأنه يوجد لديّ شيئاً مميزاً أقدمه، لكن اليوم من يريد أن ينطلق من جديد بجدارة، يجب أن يمتلك أغنية ناجحة وقادرة على الوصول إلى الناس، وليس بالضرورة أن يكون صوته جميل، لأن الصوت لا يكفي وحده، بل الأهم أن يقدم عملاً يحبه الناس ويرددونه، كما حصل سابقاً مع أغنية «حبيبي يا عيني» التي مازالت حتى اليوم تحمل صدى كبيراً، ولا توجد حفلة إلا وتُغنى فيها. واليوم، أحاول أن أقدم شيئاً، لكي أعرف ما إذا كان سيقبلني الناس من بعد أغنية «حبيبي يا عيني» بأعمالي الجديدة. هي مغامرة، وربما لا تكون سهلة، لكنني أحاول بقدراتي الموجودة، رغم أن العمر قد مرّ. لكن طالما أن الإنسان على قيد الحياة عليه أن يحاول دائماً.
• ولماذا يساورك الشك بأنك قد لا تنجحين؟
– لأن السوق مزدحم بالأعمال، وهناك سخاء كبير في التنفيذ والإمكانات المادية، لكن رغم ذلك هناك أعمال كثيرة لا تحقق شيئاً، وليس كل ما يُنتج ينجح بالضرورة. كل ما يهمني هو إثبات وجودي، كما قلت سابقاً، وأنا لديّ خلفية فنية والكثير من الأغنيات الناجحة، واليوم أريد أن أؤكد أنني ما زلت موجودة، أو أنني عدت لتقديم الجديد.
• لو لم تتوقفي كل هذه الأعوام أين كنتِ تعتقدين أنكِ ستكونين اليوم؟
– بالتأكيد، سأكون ضمن الصفوف الأولى، لأن نجاحي لم يكن مرتبطاً بأغنية واحدة فقط، بل لديّ الكثير من الأغنيات الناجحة مثل «بكرة رح بتسافر»، و«يا عيوني شو بحب عيونك»، و«سمعوا خطوة حبيبي» ولديّ ثقة كبيرة بنفسي لأنني من فناني الزمن الجميل الذين تركوا بصمة.
• ألا تشعرين بأن الاكتفاء بالتعاون فنياً مع أفراد العائلة قد يؤثر أحياناً سلباً عليك، مع أنك فنانة محترفة؟
– سؤال جيد، بصراحة لا أستطيع أن أتحمل تكاليف الإنتاج كاملة أو أن أعمل على كل التفاصيل لوحدي، ولذلك أتعاون مع ابني، ويوجد مشروع مشترك بيننا، فهو يمكن أن يصبح معروفاً من خلال هذه الأعمال، وأنا أيضاً يمكنني أن أعود إلى الساحة من خلالها، وهذا هو المتاح لنا في الوقت الحالي. ربما لاحقاً، يصبح لديّ مدير أعمال أو جهة إنتاجية ويمكن أن تتغير الأوضاع لأن الزمن تغيّر كثيراً ولا يوجد شيء مضمون. وإذا ارتبطت بحفلات أكثر، عندها أستطيع الإنتاج في شكل أكبر.
• وحالياً، ابنك يلحن لكِ فقط؟
– هو يحب كثيراً أن يلحن لغيري أيضاً، ومن خلال هذه الأعمال يمكن أن ينطلق أكثر، لأنه يحب أن يتعاون مع فنانين وفنانات آخرين، المهم أن تنشر الأغنيات وأن يحبها الناس وتصبح مطلوبة.
• ابنك من جيل الشباب، وأنتِ من جيل الزمن الجميل وهذا أمر مهم أيضاً؟
– نعم، وهذا تحديداً ما أحب أن أقوله. الأغنيات الجديدة التي أقدمها مختلفة لأنها تحمل نمطاً جديداً من شخص جديد يدخل عالم الفن وهذا المزيج بين القديم والجديد جميل جداً.
• وهل تتابعين الجيل الجديد ومن هم الفنانون الشباب الذين تشعرين بأنهم فرضوا أنفسهم؟
– تلفتني لين حايك لأنها صاحبة صوت جميل وتغني مختلف الألوان. هي تغني بطريقة هادئة، كما نقول «بالهمس»، ولذلك تصل إلى الناس من دون أن ترفع صوتها أو تبالغ في إظهار نفسها، كما أحب سعد لمجرد. هناك الكثير من الأصوات الشابة الموهوبة في الوطن العربي، خصوصاً في مصر.
