– مسؤول إسرائيلي: الأميركيون يفضلون أن يمر الحوار بين تل أبيب وأنقرة عبرهم حتى يتمكنوا من التحكم فيه
تشعر إسرائيل بالقلق من المواقف التي يتبناها توم برّاك، الملياردير الأميركي من أصل لبناني ومبعوث دونالد ترامب لشؤون سوريا، وفق موقع «واي نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت».
والسؤال الكبير هو: إلى أي مدى يعكس براك مواقف ترامب؟ وما الرسائل الحادة التي تنقلها إسرائيل إلى الولايات المتحدة بشأن النشاط التركي؟
في اسرائيل يسود القلق من النهج الذي يقوده السفير الأميركي لدى تركيا، ومن قدرته على التأثير في ترامب. فالغارات على قاعدة أبوالضهور العسكرية شمال غربي سوريا، كشفت مجدداً الفجوة بين تل أبيب وبراك بشأن مستقبل سوريا، ومكانة تركيا في المنطقة، وحرية العمل الإسرائيلية.
ردّ براك على الهجوم بلهجة حادة نسبياً، وقال إنه ينطوي على «خطر حقيقي» لحدوث تصعيد سريع ومواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا وسوريا. كما حذّر من أن غياب التواصل بين الأطراف كان يمكن أن يؤدي إلى رد فعل تركي خاطئ. وبحسبه، تعمل الولايات المتحدة حالياً على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين الأطراف الثلاثة.
لكن في اسرائيل ينظرون إلى الحادثة من زاوية مختلفة. فقد أفاد مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن سوريا تجاهلت تحذيرات إسرائيلية بشأن احتمال نشر قوات تركية في القاعدة، وان الهجوم استهدف منع تغيير التوازن الأمني على الأرض. وبحسب تقارير، شملت العملية ثماني غارات استهدفت المدرج ومنشآت تخزين داخل القاعدة.
وتطرق نتنياهو، بنفسه إلى الهجوم: «لن نسمح بتمركز عسكري تركي يمتد جنوباً، لأنه يهددنا، وقد أوضحنا ذلك بشكل عام. رأينا أن هناك نية تركية للتمركز في مطار يقع جنوب خطها، قرب حلب، فنقلنا رسالة: Don’t (لا تفعلوا). وصلت الرسالة، لكن يبدو أنهم لم يسمعوها، ولذلك حرصنا على أن يفهموا».
وترى تل أبيب أن مصدر القلق الرئيسي ليس تصريحات براك وحدها، بل الرؤية التي يتبناها، والتي تمنح تركيا، ولا سيما أردوغان، مكانة مركزية جداً في تشكيل النظام الإقليمي.
ويقول مسؤول إسرائيلي مطلع على العلاقات الإسرائيلية – التركية: «يُعتبر براك شخصاً يعمل على تعزيز مصالح أردوغان والنظام السوري في الولايات المتحدة. وهو غير حساس للمخاوف الإسرائيلية، ويركز على المكاسب الفورية التي تستطيع الولايات المتحدة تحقيقها من سوريا».
وأضاف: «نتنياهو، لا يحب براك، لأنه يعتقد أنه يقف وراء دعم ترامب، لـ (الرئيس السوري أحمد) الشرع، ويربطه بأردوغان».
دمج سوريا في المنظومة الإقليمية
يوجد خلاف داخل إسرائيل بشأن مدى قدرة براك الفعلية على التأثير في ترامب. فمن ناحية، هو أحد المقربين من الرئيس منذ عقود، وكانت تربطه به علاقة وثيقة قبل دخوله الجهاز الحكومي بوقت طويل، كما لعب على مدى السنوات دور حلقة وصل بينه وبين العالم العربي ودول الخليج.
لكن من ناحية أخرى، يؤكد مسؤولون أن القرب الشخصي لا يعني بالضرورة التأثير في عملية صنع القرار. ويقولون: «ليس واضحاً أصلاً إلى أي مدى يؤثر في ترامب. أما (وزير الخارجية ماركو) روبيو، فمن المؤكد أنه لا يؤثر فيه». ويستدلون على ذلك بأنه بعد إدانة براك، للهجوم على القاعدة الجوية، لم يصدر أي تنديد مماثل عن ترامب، أو الخارجية الأميركية.
في المقابل، يقدم دبلوماسيون غربيون رفيعو المستوى صورة مختلفة، ويعتقدون أن ترامب، يرى في برّاك «رجله» في ما يتعلق بالساحتين التركية والسورية. وبرأيهم، فإن تكليفه في الوقت نفسه بمنصب السفير في أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا يدل على مستوى الثقة التي يمنحه إياها الرئيس الجمهوري.
وقد ظهرت الفجوة بين براك واسرائيل منذ وصول الشرع، إلى السلطة في دمشق. ففي البداية، شعرت إسرائيل بقلق شديد من النهج الأميركي الجديد تجاه القيادة السورية المدعومة إلى حد كبير من تركيا. والتقى ترامب، نفسه الشرع، ودفع باتجاه تغيير جذري في السياسة الأميركية تجاه دمشق، فيما أصبح براك، أحد أبرز مهندسي الاتصالات بين إسرائيل وسوريا وتركيا.
وخلال هذه الاتصالات، اتضح أن براك، لا يسعى فقط إلى منع حرب بين إسرائيل وسوريا، بل يتبنى رؤية أوسع تقوم على دمج سوريا في المنظومة الإقليمية، وإعادة إعمارها اقتصادياً، وتعزيز علاقاتها مع تركيا، وتقليص الوجود العسكري الأميركي والإسرائيلي، قدر الإمكان.
وسبق أن وصف براك الصراع الإسرائيلي – السوري بأنه «مشكلة يمكن حلها»، ودعا إلى البدء باتفاق عدم اعتداء.
أما إسرائيل، فتريد ضمان ألا يؤدي الترتيب الجديد إلى تحويل سوريا إلى دولة تابعة لتركيا، وألا يسمح لأنقرة ببناء بنية تحتية عسكرية تهدد حرية العمل الإسرائيلية.
هل استخف بالطابع الديمقراطي لإسرائيل؟
إحدى التصريحات التي أدت إلى تفاقم العلاقات بين براك وإسرائيل صدرت في ديسمبر 2025 خلال منتدى في الدوحة. إذ قال المبعوث الأميركي الخاص إن «إسرائيل تستطيع أن تدّعي أنها ديمقراطية». لكنه أضاف أن ما «نجح بصورة أفضل» في المنطقة، هو «الملكية الخيّرة».
وأثارت تصريحاته ضجة في إسرائيل، وفُهمت في اسرائيل باعتبارها استخفافاً استثنائياً بالطابع الديمقراطي للدولة.
وبعد ذلك، زار براك، إسرائيل والتقى نتنياهو، وأفيد في ديسمبر بأن الاجتماع تناول، من بين أمور أخرى، الخطوط الحمراء الإسرائيلية في سوريا ومحاولة منع صدام بين اسرائيل وواشنطن. وبعد اللقاء وُصفت المحادثات علناً بأنها «بنّاءة».
ومن أكثر القضايا حساسية بالنسبة لإسرائيل، المحاولة الأميركية لإعادة تركيا إلى المنظومة الأمنية للولايات المتحدة. وقد دفع براك علنا باتجاه إحراز تقدم في مسألة احتمال عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «أف – 35». وقال إن محادثات مثمرة تجري بين واشنطن وأنقرة، مشدداً على الأجواء الإيجابية الناتجة عن العلاقة بين ترامب وأردوغان.
وتعارض إسرائيل هذه الخطوة، من بين أسباب أخرى، بسبب تنامي القوة العسكرية التركية وتعميق تدخل أنقرة في سوريا.
والقضية ليست نظرية فقط. فقد أصبحت تركيا خلال العام الأخير من أكثر الجهات تأثيراً في إعادة بناء الجيش السوري والبنية التحتية الأمنية. وفي قاعدة أبوالظهور، التي كانت محور الهجوم الإسرائيلي الأخير، جرت أعمال ترميم بمساعدة تركية.
وإلى جانب علاقة براك الشخصية بترامب، ينظر بعض المسؤولين الإسرائيليين بشك إلى خلفيته التجارية. فهو رجل أعمال وملياردير أميركي من أصول لبنانية، وكان طوال سنوات منخرطاً بعلاقات تجارية في الشرق الأوسط.
هذه العلاقات لا تثبت بحد ذاتها أن براك يعمل لمصلحة جهات أجنبية على حساب السياسة الأميركية أو الإسرائيلية. وفي الواقع، أكد براك على مر السنين أنه يسعى إلى تعزيز المصالح التجارية الأميركية في المنطقة.
لكن بعض المسؤولين الإسرائيليين يعتقدون أن خلفيته التجارية تفسر، على الأقل جزئياً، رؤيته للعالم: تركيز أقل على التحالفات التاريخية، وتركيز أكبر على الصفقات والاستقرار والاستثمارات والقدرة على تحقيق مكاسب اقتصادية من الترتيبات الإقليمية.
وبحسب هؤلاء «هو ليس بالضرورة ضد إسرائيل، لكنه ببساطة لا يراها بعيون إسرائيلية».
وربما تكون هذه هي النقطة الأساسية في الموقف الإسرائيلي من براك. فحتى المسؤولون الإسرائيليون الذين ينتقدونه لا يقولون بالضرورة إنه «معادٍ لإسرائيل» بالمعنى التقليدي.
المشكلة بالنسبة إليهم هي أن براك لا يتبنى نقطة الانطلاق الإسرائيلية التي تقول إن التهديد الأمني يجب أن يتقدم على اعتبارات الاستقرار الإقليمي والاقتصاد.
فهو يرى تركيا قوة إقليمية يمكن، بل ينبغي، العمل معها. ويرى في النظام السوري الجديد فرصة يجب تثبيتها وليس تهديداً ينبغي كبحه. كما يعتقد أن الترتيبات الاقتصادية وآليات التنسيق والدبلوماسية المباشرة يمكن أن تحل محل جزء من استخدام القوة.
فعلى سبيل المثال، بعد الهجوم على أبوالضهور، لم يركز براك على ما إذا كانت إسرائيل محقة استخباريا أو عملياتيا، بل ركز على خطر أن يؤدي الهجوم إلى مواجهة مع تركيا وعلى ضرورة إنشاء آلية دائمة لمنع الاحتكاك.
بل اقترح إنشاء آلية تعمل على مدار الساعة، ويشارك فيها متحدثون بالعبرية والعربية والإنكليزية والتركية.
رسائل إسرائيلية حادة إلى الولايات المتحدة
تُحيي إسرائيل وتركيا في هذه الأيام مرور 20 عاماً على بداية التوتر بينهما. وفي إسرائيل يتحاشون وصف تركيا بأنها «عدو»، ويفضلون وصفها بأنها «خصم».
وتنقل إسرائيل باستمرار رسائل حادة إلى الأميركيين، مفادها بأن تركيا تعمل على إعادة بناء الجيش السوري، وأن أردوغان يواصل التحريض ضد إسرائيل.
ومع ذلك، فإن التقدير السائد في إسرائيل هو أنه لا يوجد خطر حقيقي لمواجهة عسكرية وشيكة، لكن ينبغي الحذر من الانزلاق إلى هذا السيناريو.
ويقول مسؤول إسرائيلي متخصص في العلاقات الإسرائيلية – التركية: «الأميركيون لن يسمحوا بذلك بأي شكل وبأي ثمن. سيكون الأمر كارثة بالنسبة للولايات المتحدة إذا دخل اثنان من حلفائها في حرب ضد بعضهما. ما نراه أقرب إلى استفزازات يستخدمها الطرفان لأغراض داخلية».
وأضاف: «لا أحد في إسرائيل يريد حرباً مع تركيا. هناك حوار بين إسرائيل وتركيا، وهناك قنوات مباشرة، لكنها على ما يبدو ليست فعالة بما يكفي. وفي كل الأحوال، يفضل الأميركيون أن يمر الحوار عبرهم حتى يتمكنوا من التحكم فيه».
وختم المسؤول بالقول: «من الممكن أن يكون المبعوث الأميركي يتعمد تصوير الوضع بصورة أكثر خطورة، بهدف تعزيز قناة الحوار التي تمر عبر الولايات المتحدة».
