دخل التوتر بين تركيا وإسرائيل، مرحلة جديدة من التصعيد الحاد، على خلفية استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة، وسياسة توسيع العدوان إلى سوريا وجنوب لبنان، وتبادل الجانبان الاتهامات بزعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
وفي أحدث فصول التوتر، الذي جاء بالتزامن مع الأزمة بين أنقرة وتل أبيب على خلفية شن إسرائيل غارات جوية مكثفة على مطار أبوالظهور العسكري في إدلب شمال غربي سوريا، الثلاثاء، بدعوى التحضير لنشر قوات تركية في قاعدة جوية داخل المطار، أصدرت أنقرة، الجمعة، مذكرة توقيف دولية بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومواطن إسرائيلي آخر، بتهمة الإبادة الجماعية، في إطار تحقيق بشأن اعتراض إسرائيل «أسطول الصمود» الذي كان متوجهاً إلى قطاع غزة في مايو الماضي، وتوقيف الناشطين على متنه.
في المقابل، وصف مكتب نتنياهو في بيان، الجمعة، الرئيس التركي بأنه «ديكتاتور معادٍ للسامية»، واتهمه بارتكاب مجازر ضد الأكراد.
مذكرات توقيف تركية
وقال وزير العدل التركي أكين غورليك، عبر حسابه في «إكس»، إنه «في سياق الإجراءات القضائية المتعلقة بالهجوم على ناشطي الأسطول في المياه الدولية… وبناء على مذكرتي التوقيف الصادرتين في 14 يوليو، بحق بنيامين نتنياهو وأفيق موسكوفيتش بتهمة الإبادة الجماعية، طلبت وزارة العدل من وزارة الداخلية إصدار نشرات حمراء بهدف اعتقالهما على المستوى الدولي».
ويلاحق نتنياهو وموسكوفيتش في تركيا على خلفية ارتكاب «جرائم ضدّ الإنسانية وإبادة جماعية وحرمان مشدَّد من الحرّيات وضرب وجرح متعمّد وتعذيب وتدمير للمقتنيات ونهب مشدد وتحويل مسار وسائل نقل»، بحسب وزارة العدل.
هجوم على أردوغان
في المقابل، وصف مكتب نتنياهو، في بيان، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأنه «معادٍ للسامية»، مؤكداً أن «إسرائيل ستواصل التصدي بقوة لمحاولات تركيا زعزعة استقرار المنطقة، ولأي تهديد لأمنها».
وانضمت تركيا في 7 أغسطس 2024، رسمياً إلى دعوى «الإبادة الجماعية» التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، متعهدة تقديم الأدلة على التطهير العرقي الذي ارتكبه الجيش الإسرائيلي ومجازره في غزة.
المؤسسة الأمنية تحذّر
وفي تقرير للقناة 12 العبرية، تعرب المؤسسة الأمنية عن قلقها من التصريحات العلنية التي يطلقها نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ضد تركيا، محذرة من أنها قد تؤدي إلى تصعيد غير ضروري.
وتريد المؤسسة الأمنية أن تبقى العملية «تحت الرادار»، بهدف تجنب تصعيد مباشر مع أنقرة. وترى أن التصريحات، قد تؤدي إلى تسخين الجبهة وتدهور العلاقات من دون حاجة.
وتزداد أهمية هذه المخاوف في ضوء تقديرات إسرائيلية تشير إلى أنه قد تكون هناك حاجة، خلال الفترة القريبة المقبلة، إلى التحرك مجدداً ضد محاولات تركية إضافية لتعميق وجودها ونفوذها في سوريا.
ولذلك تفضّل المؤسسة الأمنية أن يجري النشاط في هذا الملف بهدوء وبعيداً عن الأضواء، وألا يتحول إلى مواجهة علنية بين القدس وأنقرة.
مساحات السيطرة
إلى ذلك، وفي مقطع فيديو دعائي، أعلن الناطق باسم نتيناهو أن تركيا تسيطر على 5 % من مساحة سوريا، مقارنة بـ0.1 % فقط تسيطر عليها إسرائيل في جنوب البلاد، وقال إن «تركيا لا تواجه أي تهديد، ومع ذلك تسيطر على مساحة تزيد بأكثر من 50 ضعفاً على تلك التي تسيطر عليها إسرائيل».
وأضاف: «نحن لا نسعى إلى التصعيد، لكن لن نسمح لأي دولة بتهديدنا. لقد أوضح 7 أكتوبر (2023) للجميع: عندما يقول عدو إنه يريد تدميركم، صدّقوه».
وذكر موقع «واي نت» العبري ان اسرائيل تحاول حشد دعم دولي بعد قصف قاعدة أبوالظهور العسكرية في سوريا، الذي أدى إلى إدانة من تركيا ومن المبعوث الأميركي توم برّاك أيضاً. فقد نشر دورون شبيلمان، الناطق باسم جهاز الدعاية الإسرائيلي، مساء الجمعة، مقطع فيديو عرض فيه العملية في سوريا باعتبارها خطوة تهدف إلى إحباط تمركز عسكري تركي، وضمان عدم اقتراب التهديد تدريجياً من الحدود الإسرائيلية.
وبحسب شبيلمان، الذي عُيّن في منصبه قبل أقل من شهرين ويُراد له أن يكون «وجه إسرائيل أمام العالم»، فإن تركيا رسخت منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية وجوداً عسكرياً واسعاً داخل الأراضي السورية، وهي تسيطر حالياً، وفق ادعائه، على نحو 5 % من مساحة البلاد.
وأضاف أن ذلك يأتي مقارنة بنحو عُشر في المئة فقط تسيطر عليه إسرائيل في جنوب سوريا، «وعلى امتداد حدود معرضة لتهديدات من حزب الله وداعش وتنظيمات إرهابية أخرى. أما تركيا، التي لا تواجه أي تهديد، فتسيطر على مساحة تزيد بأكثر من 50 ضعفاً على المساحة التي تسيطر عليها إسرائيل».
وقال شبيلمان: «قبل أكثر من عام، توصلت إسرائيل وسوريا إلى تفاهم للحفاظ على الوضع الأمني القائم والحفاظ على الهدوء على الحدود». وأضاف أن هذه التفاهمات انتُهكت بعدما رصدت الاستخبارات الإسرائيلية أن «قوات تركية كانت على وشك الانتشار في قاعدة أبو الظهور» شمال سوريا.
وشدد على قرب المنطقة نسبياً من إسرائيل، إذ تبعد أقل من 300 كيلومتر عن بلدات إسرائيلية.
وفي وقت لاحق من الفيديو، تطرق الناطق باسم رئيس الوزراء إلى السؤال عن سبب اعتبار الوجود التركي في سوريا تهديداً لإسرائيل.
وقال: «قد يتساءل البعض: لماذا ينبغي لإسرائيل أن تشعر بالقلق من وجود قوات تركية في سوريا؟ حسناً، لأن الرئيس التركي أردوغان دعا علناً إلى تدمير إسرائيل».
وأضاف أن أردوغان أدلى أيضا بتصريحات عدائية تجاه الولايات المتحدة، متسائلاً «هل هذا هو الرجل الذي تريدونه على حدودكم”؟
وبحسب قوله، فإن أحداث 7 أكتوبر أظهرت خطورة تجاهل تصريحات الأعداء: «لقد أوضح 7 أكتوبر للجميع أنه عندما يقول لكم عدو إنه يريد تدميركم، فمن الأفضل على الأرجح أن تصدقوه».
وإلى جانب تصريحاته الحادة ضد أنقرة، شدد الناطق على موقف رئيس الوزراء القائل إن إسرائيل غير معنية بالتصعيد.
وقال: «نتنياهو أوضح أمراً آخر أيضاً: إسرائيل ترحب بالعودة إلى الوضع القائم السابق. نحن لا نسعى إلى التصعيد». لكنه أتبع ذلك برسالة حازمة: «لا تركيا ولا أي دولة أخرى ستقوم بتهديد دولة إسرائيل».
