تدخل إيران مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تزامن التراجع الاقتصادي مع الحرب والعقوبات والضغوط السياسية. وقد هبطت العملة الإيرانية مقال الدولار إلى مستويات قياسية ما أدى إلى تآكل مدخرات الناس لدرجة وصل سعر صرف الدولار الواحد إلى مليوني ريال، وهذا الانهيار لا يمثل مجرد مشكلة نقدية، بل يعكس أزمة ثقة عميقة في الاقتصاد الإيراني وقدرة الدولة على حماية القوة الشرائية للمواطن.
وأخطر ما في تراجع العملة أن آثاره تنتقل مباشرة إلى حياة المواطن، فضعف العملة يجعل السلع المستوردة والمواد الأولية أكثر تكلفة، ويدفع التجار إلى تسعير بضائعهم على أساس سعر الدولار في السوق.
وتشير البيانات الحالية إلى أن سعر الأرز ارتفع بنحو 60 % منذ بداية الحرب، فيما ارتفعت أسعار اللحوم البقرية بأكثر من 150 %، ومع استمرار التضخم، تصبح رواتب الموظفين وأصحاب الدخل المحدود أقل قدرة على شراء الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية.
وتعود الإيرانيون على التحايل واللعب على مسألة الوقت وأخذ وقت طويل في المفاوضات، على أمل أن يتم رفع أسعار الوقود في أميركا، ما يهدد الرئيس دونالد ترامب، بالخسارة. ولكن إعلان وزير الخزانة سكوت بيسنت، عن خطة عزل إيران وتحطيم اقتصادها، وهي رسالة بأن الإدارة أصبحت مستعدة لتحدي لعبة الوقت الإيرانية، وبقيت أسابيعَ على الانتخابات، وترامب، من الواضح سيتجاوز الانتخابات، وأسعار النفط لاتزال تحت المئة دولار، ولكن الوقت في الحقيقة ليس من صالح طهران.
وتصريحات بيسنت، ليست مجرد تهديد سياسي عابر، فهي تشير إلى أن واشنطن تريد استخدام الاقتصاد كسلاح إستراتيجي ضد النظام الإيراني. فقد أعلن أن الولايات المتحدة ستفرض إجراءات اقتصادية جديدة وصفت بأنها من أشد الإجراءات في تاريخ العقوبات على إيران، مع توسيع العقوبات الثانوية لتشمل جهات ودولاً وشركات تتعامل مع الاقتصاد الإيراني، والهدف هو تجفيف مصادر التمويل، وتقليص قدرة إيران على تمويل قواتها وشبكاتها الإقليمية، وزيادة العزلة المالية للنظام.
وكتب وزير الخزانة في صحيفة «فاينانشال تايمز»، أن واشنطن ستبدأ شن هجوم مالي غير مسبوق على إيران، بهدف ما وصفه بقطع جميع مصادر الإيرادات التي تدعم النظام الإيراني. وأوضح في مقاله، أن الإجراءات الأميركية تسعى لإنهاء المسارات الاقتصادية أمام الدول التي تربط مصالحها بطهران، ملوّحاً بتوسيع العزلة المالية لتشمل أي دولة تعمل كشريان مالي لإيران.
وأكد جاي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي أن منع طهران من امتلاك سلاح نووي يمثل الهدف الأساسي للوجود الأميركي في الشرق الأوسط، في تصعيد يجمع بين الضغط الاقتصادي والتحرك الإستراتيجي ضد إيران.
ولكن السؤال هل ستندلع الحرب من جديد؟
والأدق ليس متى ستندلع الحرب؟ لأن المنطقة تعيش بالفعل منذ 28 فبراير 2026 حرباً وصراعاً عسكرياً واسعاً بين إيران من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، وقد امتد تأثيره إلى أمن الخليج ومضيق هرمز… السؤال الحقيقي هو: هل تتجه المنطقة إلى جولة عسكرية جديدة أم إلى تسوية؟ والمؤشرات الحالية تجعل احتمال التصعيد قائماً، خصوصاً مع استمرار المواجهة حول مضيق هرمز والتهديدات المتبادلة، وفي المقابل، هناك محاولات دبلوماسية تقودها دول مثل سلطنة عُمان وباكستان لفتح طريق نحو وقف التصعيد.
محلل الأسواق في «آي جي» توني سيكامور، قال «الأعضاء الأكثر واقعية في القيادة الإيرانية يفضلون خفض التصعيد، بينما قد يفضل المتشددون الاستمرار في القتال». وأضاف «نهاية الأسبوع الجاري قد تعطي مؤشراً أوضح على أي من الاتجاهين يمتلك اليد العليا داخل إيران».
الخلاصة: إيران لا تواجه أزمة دولار فقط، بل أزمة نموذج سياسي واقتصادي. انهيار الريال يضغط على المواطن، والعقوبات الأميركية تستهدف شرايين الاقتصاد، والحرب تستنزف الموارد، بينما يزداد خطر الاحتقان الداخلي، وإذا استمرت هذه العوامل مجتمعة، فقد يصبح مستقبل النظام الإيراني مرتبطاً ليس بقدرته على مواجهة خصومه خارجياً فقط، وإنما بقدرته على الحفاظ على ثقة الشعب في الداخل، وهذا صعب.
