ميكروبات تحوّل البلاستيك إلى بسكويت ومسكّنات!


في تطورين علميين متلازمين في الجوهر، كشفت فرق بحثية في الولايات المتحدة وبريطانيا عن قدرة مذهلة لميكروبات معدَّلة وراثياً على تحويل نفايات الزجاجات البلاستيكية إلى منتجات صالحة للأكل والاستخدام البشري، تشمل بسكويتاً غنياً بالبروتين بنكهة الفانيلا، ومسكّنات من فئة الباراسيتامول. وهكذا، باتت النفايات البلاستيكية مؤهلة للتحول من مجرد مادة ملوِّثة للبيئة إلى مصدر محتمل للغذاء والدواء، في عالم يئن تحت وطأة التلوث ونقص الموارد.

فخلال فعاليات المؤتمر الخريفي للجمعية الكيميائية الأميركية في أغسطس 2026، قدّم باحثون من جامعة جنوب إلينوي كاربونديل تقنية تحوّل زجاجات PET ومخلفات الذرة إلى بسكويت بروتيني بنكهة الفانيلا. وتعتمد العملية على تقنية «الأكسدة الهيدروحرارية» التي طورها البروفيسور كين أندرسون، حيث يُفكك البلاستيك والمخلفات الزراعية تحت حرارة وضغط شديدين إلى مزيج غني بالكربون، ثم تستقلبه خمائر معدلة وراثياً. سلالة تحوّل الكتلة النباتية إلى نكهة الفانيلا، وأخرى تحوّل الإيثيلين غليكول الناتج عن تحلل PET إلى بيتا-كاروتين (طليعة فيتامين أ)، ثم يُطبع المزيج بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد ويُقسَّى في الميكروويف. المنتج النهائي خالٍ تماماً من البلاستيك، وحصل على درجة 6.5 من 9 في مقياس التذوق المعياري.

وتشير النتائج الأولية إلى أن نسبة تحويل الكربون تتجاوز 50 في المئة من المخلفات في يوم إلى يومين، بينما تبلغ تكلفة الإنتاج حالياً نحو 60 دولاراً للكيلوغرام، وتؤكد الفحوصات المخبرية المستقلة خلو المنتج من السموم والمعادن الثقيلة ومسببات الحساسية، لكن الموافقة المؤسسية للاختبارات الرسمية مازالت معلقة.

بكتيريا تصنع الدواء

وفي تطور موازٍ، كشف فريق بقيادة الأستاذ ستيفن والاس من جامعة إدنبرة عن طريقة تحوّل بها بكتيريا الإشريكية القولونية المعدَّلة وراثياً نفايات زجاجات PET المفكَّكة إلى المادة الفعّالة في مسكّنات شائعة كـ«تايلينول» و«بانادول»، وذلك في دراسة نشرت في دورية «Nature Chemistry».

وتمكنت البكتيريا، بعد تعديلها وراثياً، من تحويل 92 في المئة من نفايات البلاستيك المفككة إلى الباراسيتامول خلال 48 ساعة فقط. وتعتمد الخطوة المحورية على تفاعل كيميائي يُعرف بـ«إعادة ترتيب لوسن» داخل الخلايا الحية، وهو ما تحقق للمرة الأولى، ما يفتح مساراً أكثر استدامة لتصنيع الدواء بدلاً من الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وتشمل أبرز ملامح المشروعين:

• المواد الأولية: زجاجات PET المهملة مع مخلفات زراعية (الذرة وأوراقها) في مشروع البسكويت، ونفايات بلاستيكية مفككة في مشروع الدواء.

• الكائنات المستخدمة: خمائر معدلة وراثياً (للبسكويت) وبكتيريا E. coli معدلة (للدواء).

• المخرجات: بسكويت بروتيني بنكهة الفانيلا وباراسيتامول نقي.

• الكفاءة: تحويل يتجاوز 50 في المئة من الكربون في يومين للبسكويت، و92 في المئة للدواء خلال 48 ساعة.

• التحديات: ارتفاع التكلفة (60 دولاراً/كغم للبسكويت)، وصعوبة التوسع الصناعي، والحاجة إلى تراخيص تنظيمية واختبارات إضافية.

ويجمع هذان المشروعان بين رؤية علمية واحدة: تحويل النفايات البلاستيكية من عبء بيئي إلى مورد قيم. فمشروع البسكويت، الذي انطلق كتجربة غذائية لوكالة ناسا في تحدي «الغذاء في الفضاء السحيق»، يهدف إلى معالجة نقص الغذاء المتوقع بحلول 2050 (بارتفاع الطلب 35–56 في المئة وتعرض 30 في المئة من سكان العالم لخطر الجوع). أما مشروع الباراسيتامول، فيسعى إلى إيجاد بدائل مستدامة للصناعات الدوائية المعتمدة على الوقود الأحفوري.

ويقر الباحثون، ومنهم لاهيرو جاياكودي وستيفن والاس، بأن الطريق لايزال طويلاً، إذ يصعب حالياً تكبير العمليات المخبرية إلى المستوى الصناعي، كما أن النفور الغريزي من فكرة «بسكويت بلاستيكي» أو «دواء من نفايات» يحتاج إلى وقت لتجاوزه، تماماً كما واجه اللحم المخبري في بداياته.

ويرى مختصون أن هذه الدراسات الأساسية تمثل «خطوة في الاتجاه الصحيح»، وأن مجرد تحول «النفايات» و«الغذاء» و«الدواء» إلى موضوعات بحثية متصلة هو بحد ذاته إنجاز يستحق التوقف عنده، مع تأكيدهم على أن الحلول البيئية المستقبلية قد تأتي من حيث لا يتوقعه أحد: من داخل المختبرات التي تعيد تعريف ما نأكله وما نتناوله من دواء.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *