يوم «ناري» في جنوب لبنان وواشنطن تَخْشى حرباً ثالثة


مع ترسيخ الوقائع العسكرية المتدحرجة في الجنوب، أن مرتفعات علي الطاهر باتت «الحاكِمَ» الفعلي لجبهة لبنان، عمّقتْ تصريحاتُ السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، الاقتناعَ بحجمِ التعقيداتِ والتحدياتِ الماثلة أمام وَقْفِ الانزلاقِ نحو حربٍ واسعة جديدة، وهو ما لا يمكن أن يحصل إلا باختراقٍ سياسي مستحيل «ينفصل» من خلاله «حزب الله» عن طهران ويتعهّد تسليم سلاحه للدولة، أو انقشاع الرؤية على مَسارِ إيران بعد أن يَنْجَلي غبارُ «العاصفة الكاملة» الاقتصادية التي أطلقتها الولايات المتحدة بوجهه.

وفي وقت كانت اسرائيل، المتوثّبة دائماً لإشعالِ «حريقٍ» يخوض على وهجه بنيامين نتنياهو، انتخاباته أواخر أكتوبر، تثبّت معادلةَ أن أيَّ استهدافٍ لقواتها من الحزب في محيط علي الطاهر ستُقابِله بحزامِ نارٍ في الجنوب خارج «المنطقة الأمنية» أدى الخميس الى سقوط لبنانيةٍ (كانت تزوّجت قبل أيام قليلة) و6 جرحى بينهم طفلة وسيّدة ومسنّان في غارة على عربصاليم (قضاء النبطية)، لم تهدأ الأسئلةُ القديمة – الجديدة عن مدى ارتباطِ تكرار الحزب تنفيذ عملياتٍ ضد الجيش الاسرائيلي (أعلن استهداف قواته بمسيّرتين مفخختين ليل الأربعاء) بأمريْن متشابكيْن:

– مقتضياتِ محاولة طهران التصدّي لـ «الألم الاقتصادي» الذي تُخضع له من واشنطن، عبر التذكير بـ «الإيلام الجَماعي» الذي يمكن أن تعمّمه على الإقليم من خلال أذرعها «الجاهزة» لملاقاتها في «حرب الوجود» متى دقت ساعتها.

– وضروراتِ التأكيد «لمَن يعنيهم الأمر» على مسار التفاوض بين لبنان واسرائيل أن الدولةَ لا تملك القرار على الطاولة وأن المفاوضات الجدية والمُجدية، حين يحين الوقت تكون مع «حزب الله» و/أو إيران، وفق ما كانت أشَّرَتْ إليه عبارة عضو المجلس السياسي محمود قماطي قبل أيام، حين أعلن أن الحزب لا يغلق الباب بصورة نهائية أمام «إمكان التواصل المباشر مع الولايات المتحدة».

من هنا يُفْهَم أيضاً، بحسب أوساط سياسية، لماذا يصرّ الحزب على «الشيْطنة الأكبر» للسلطة اللبنانية في مفاوضاتها المباشرة مع اسرائيل برعاية أميركية، حيث رفع قماطي نفسه في الساعات الأخيرة منسوب الهجوم على الرئيس جوزاف عون، على خلفية ملف التفاوض وسحب السلاح، حيث أعلن «أن السلاح لن يُنزع بعهد عون ولا غيره (…) فالبلد يفرط».

وأضاف: «واحد، يطلع يخوّنك، وكشف وجهه الحقيقي أنه عدوّ للمقاومة (…) وهي أقوى من الدولة».

وما جَعَلَ الهبّة الساخنة التي دَهَمَتْ الجنوب في الساعات الأخيرة تكتسب أبعاداً شديدة الأهمية، إلى جانب حصولها في ظلّ الانشداد الى «معركة علي الطاهر» التي تَشي بأنها «على الأبواب» وقد تكون «المفتاحَ الانتخابي» الأكثر تأثيراً في الحملة الانتخابية لنتنياهو، أنها جاءتْ على وقع مواقف السفير الأميركي المتوالية ولا سيما التي أَطْلَقَها ورَسَمَ من خلالها لوحةً غير مريحةٍ للمشهد اللبناني، ملمحاً إلى أن ملف الحزب وسلاحه بات واقعياً خاضعاً لميزانِ الميدان (احتمال حرب جديدة) أو لاختراقٍ على جبهة إيران يَنعكس على لبنان، وأن التفاوض الذي تُجْريه الدولةُ اللبنانية مع اسرائيل يَرْمي إلى ترتيبِ العلاقة بينهما، ولو بمعزل عن مسألة الحزب، فتكون هذه المحادثات وفّرت الإطارَ الجاهِزَ لما بعد بتّ قضية السلاح ربْطاً بملف إيران وما سيكون بين الأخيرة وواشنطن.

الحرب الثالثة!

على أن الأشدّ تعبيراً عن الحافة التي يقف أمامها لبنان، كانت تذكير عيسى في تصريحاته بعد زيارته شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز سامي أبي المنى، بأن أقصر الطرق لضمان انسحاب اسرائيل من الجنوب ووقف اعتداءتها هو أن يعلن الحزب في بيان أنه مستعدّ لتسليم سلاحه، قبل أن يتبنى جواب أحد الصحافيين الذي قال إنه يرى حرباً اسرائيلية ثالثة على لبنان في حال عدم الوصول الى اتفاق مع الحزب وفق ما تطرحه واشنطن.

وجاء ردّ الصحافي بعدما كان وجّه سؤالاً إلى عيسى، عما إذا كان يعتقد أن مثل هذه الحرب ممكنةٌ، فأجاب السفير: هل يمكنكَ أن تجيب عن هذا السؤال؟ ليردّ السائل: جوابي سيكون نعم. فقال له عيسى: انتَ إذاً جاوبتَ.

وكان عيسى، قال قبلها «نتحدث مع إسرائيل دائماً حول ضرباتها في جنوب لبنان وإنها غير مقبولة ونضغط لتخفيفها أيضاً، انما هناك مسألة نتحدث بها وهي أنكم تطلبون كل شيء من إسرائيل ولا تطلبون شيئاً من حزب الله، ومنذ نحو سنتين نطلب من الحزب أن يُصدِر بياناً واحداً أنه على استعداد لتسليم سلاحه كي نقول لإسرائيل: هم على استعداد لتسليم سلاحهم وأنتم قدِّموا أيضاً شيئاً لنا، لكن الحزب – وقالها (محمود) قماطي، لا نريد تسليم سلاحنا… على أي أساس سنجبر إسرائيل بالانسحاب، وهو يقول: حتى لو انسحبت لا نسلم السلاح».

وأشار إلى أن «اللبنانيين كلهم متفقون على وضع واحد وهو تسليم سلاح حزب الله، وأن تكون الدولة وحدها تملك السلطة»، موضحاً رداً على سؤال حول كيف سيتم ذلك «كما تعلمون المسألة ليست محصورة بلبنان فهناك قصة إيران والولايات المتحدة، والمشاكل التي تحصل تؤثّر كثيراً على المحادثات هنا، ولا نستطيع«أن نمشيها»الى حين معرفة ماذا سيحصل بالمنطقة هناك أيضاً».

وحين قيل له: أي موضوع لبنان مرتبط بما يحصل بين إيران وأميركا؟ أجاب: «الموضوع ليس مرتبطاً مباشرة وانما الموضوع هناك يؤثر على الحالة في لبنان، فكما تعلمون حزب الله لايزال معلّق بالقرارات الإيرانية، علماً اننا حاولنا أخذ الدولة اللبنانية وإسرائيل كي يتعاطوا معاً ويقرران مصيرهما».

وهل الحراك الذي يقوم به هو لتقريب وجهات النظر ومواكبة المفاوضات ومجريات اللقاءات في روما؟ رد «يجب فهْم ان المحادثات مع إسرائيل أكان حزب الله موجوداً أم لا هي محادثات بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، بالنسبة لنا نريد التقريب بين إسرائيل والدولة اللبنانية، وساعتها إذا حُلّت الأمور بين الدولتين تبقى مسألة حزب الله، وحينها نرى على أي أساس مازال الحزب موجوداً، وهل ايران مازالت موجودة وتدافع عن حزب الله، أو مسائل إيران«تحلحلت»أيضا. ولكن المحادثات هي بين لبنان وإسرائيل سواء كان حزب الله موجوداً أو لا».

وحول كلامه عن أن واشنطن مستعدة للتفاوض مع «حزب الله» اذا كان لديه شيء يقدّمه أجاب «ربما فهمتم خطأ، قلت بالأمس: إذا كان لحزب الله شيء ممكن يقدمه فنحن مستعدون لمناقشته، ولا نريد منه أكثر من تسليم سلاحه ولا نطلب منه زيادة عن ذلك. ما قصدتُه إذا قرر الحزب الحديث معنا فليتحدث مع الدولة اللبنانية التي نحن نتحدّث معها، ويقولون لها إننا على استعداد لتسليم سلاحنا، ساعتئذ نساهم بتقريب الآراء ونتحدث مع الحزب أو عبر الدولة اللبنانية وهي تحكي عنه في المفاوضات. حزب الله حتى الآن لا يريد التحدث لا مع الدولة ولا معنا ولا مع إسرائيل، لأنه فقط يتلقى الأوامر من إيران».





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *