الخليج العربي: توسّع تكتيكي — الجزء الثاني



تستحوذ دول الخليج العربي على نحو 32% من الإنتاج العالمي للنفط. وإلى جانب هذا الدور المحوري في قطاع الطاقة، تتمتع دول الخليج بموقع جغرافي بالغ الأهمية؛ فقبل النزاع الحالي، كان ما يقرب من 20% من النفط العالمي و25% من الغاز الطبيعي المسال يمران عبر مضيق هرمز، فيما كانت نحو 12% من التجارة العالمية تمر عبر مضيق باب المندب. وقد منح ذلك الدول المطلة على هذه الممرات البحرية نفوذاً خاصاً في إدارة الشؤون الاقتصادية والأمنية.

وينعكس هذا النفوذ أيضاً في مؤشرات التنمية التي حققتها دول المنطقة. فقطر تُصنَّف ضمن الدول الاثنتي عشرة الأعلى عالمياً من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (البنك الدولي، 2026)، فيما تندرج الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون ضمن فئة «التنمية البشرية المرتفعة جداً» وفقاً لمؤشر التنمية البشرية، ويؤكد ذلك أن التحول الذي شهدته المنطقة لم يقتصر على تراكم الثروة، بل انعكس أيضاً في تحسين مستويات المعيشة وتوفير ظروف حياة مواتية لمواطنيها.

وقد وضعت الدول الخليجية الست رؤى وطنية تمتد حتى عام 2030، الأمر الذي يدفع إلى تجاوز الصور النمطية التي طالما اختزلت منطقة الخليج في كونها مجرد منطقة مصدّرة للهيدروكربونات. فقد نجح الخليج في ترسيخ مكانته كفاعل متزايد الأهمية ضمن ما يُعرف بإطار «التعددية الشبكية» (Multiplex).

ويستند اهتمام بيرو بالحفاظ على آليات الحوار والتعاون مع دول الخليج، في المقام الأول، إلى ضرورة وجود أطر قانونية واضحة، تشمل مذكرات التفاهم والمعاهدات والاتفاقيات المشتركة بين المؤسسات، بما يوفر أساساً رسمياً لمنصات التواصل والتعاون.

ورغم النتائج الإيجابية التي تحققت حتى الآن، فإن التقارب بين بيرو ودول الخليج بلغ أعمق مستوياته في المجال الاقتصادي، ولا سيما في إطار تعزيز الترابط، مع التركيز على التجارة والاستثمار والأمن الغذائي. وهناك تكامل طبيعي بين اقتصادَي الجانبين؛ فدول مجلس التعاون الخليجي تستورد نحو 85% من الأغذية التي تستهلكها بينما تمتلك بيرو قطاعاً زراعياً تصديرياً متطوراً ومتنامياً، ما يجعل الطلب الخليجي فرصة سوقية واضحة للمنتجات البيروفية.

وفي هذا السياق، تكتسب استراتيجية بيرو الرامية إلى توسيع حضورها التجاري في الخليج أهمية خاصة. فتنويع وجهات التصدير يحد من مخاطر الاعتماد على أسواق بعينها، وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام الاستفادة من مصادر جديدة للطلب. كما أن الاعتماد الكبير لدول الخليج على واردات الأغذية يوفر لبيرو فرصة ملموسة لزيادة حصتها في هذه الأسواق والوصول إلى أسواق جديدة، في وقت تتسم فيه البيئة الاقتصادية الدولية بتزايد القيود التجارية وتراجع مستويات الاستثمار الأجنبي المباشر.

ويتمثل بُعد آخر في استقطاب الاستثمارات من صناديق الثروة السيادية الخليجية، التي تُعد من بين الأكبر في العالم. وتدير هذه الصناديق مجتمعة أصولاً تُقدَّر بأكثر من 6 تريليونات دولار أميركي، أي ما يقرب من 40% من إجمالي الأصول التي تديرها صناديق الثروة السيادية عالمياً. ومن أبرزها: الهيئة العامة للاستثمار في دولة الكويت، صندوق الاستثمارات العامة في السعودية، جهاز أبوظبي للاستثمار في الإمارات، وجهاز قطر للاستثمار.

ويتيح الاهتمام المتزايد لهذه الصناديق بالاقتصادات النامية فرصة أمام بيرو لترسيخ مكانتها كوجهة استثمارية موثوقة وجاذبة. وخلال السنوات الأخيرة، استحوذت صناديق الثروة السيادية الخليجية على نحو ثلثي الاستثمارات التي نفذتها هذه الكيانات على مستوى العالم. ورغم ظهور صناديق جديدة في مناطق أخرى، يُتوقع أن تحافظ منطقة الخليج على موقعها باعتبارها مركز الثقل في التوسع العالمي للاستثمار السيادي، بفضل حجم الأصول التي تحشدها، فضلاً عن التطور المتزايد في قدراتها الاستثمارية.

وانطلاقاً من قناعة راسخة بأن البعد الإنساني يمثل عنصراً أساسياً في علاقة بيرو بدول الخليج، تعمل وزارة الخارجية البيروفية على تعزيز مبادرات الدبلوماسية العامة والثقافية. ومن بين هذه المبادرات إطلاق النشرة الثقافية «أصوات» (Aswat) في أكتوبر 2025، والتي صُممت لتكون منصة تسلط الضوء على الروابط التاريخية بين الجانبين، بما في ذلك الإرث العربي-الموريسكي الذي وصل إلى بيرو عبر الحقبة الاستعمارية الإسبانية، إلى جانب الفرص المتاحة لتعميق التعاون الثنائي.

وفي السياق ذاته، وضمن سلسلة المنشورات الدبلوماسية البيروفية «تخليد العلاقات الثنائية»، صدرت مجموعة من الكتب التذكارية بهدف الحفاظ على تاريخ علاقات بيرو مع دول الخليج وتوثيقه ونشره منها «بيرو والكويت: نصف قرن من الصداقة والتعاون».

واستكمالاً لهذه المبادرات، أُنشئ «مركز دراسات الخليج العربي» في جامعة نوربرت وينر، ليكون أول مركز أكاديمي في بيرو متخصصاً في هذه المنطقة من العالم، بهدف إنتاج المعرفة وتعزيز التواصل والتعاون بين الأوساط الأكاديمية في المنطقتين.

واليوم، أصبحت دول الخليج قوى ذات حضور وامتداد عالمي. فهي تضطلع بدور متزايد النشاط في مجالي التجارة والتمويل الدوليين، وتمتلك قدرة متنامية على حشد الموارد وتعزيز قوتها الناعمة. وقد أسهم التحول الاقتصادي الذي شهدته هذه الدول واتساع حضورها الدولي في توسيع آفاق التعاون أمام دول مثل بيرو، ولا سيما في مجالي التجارة والاستثمار، حيث توجد إمكانات كبيرة للاستفادة من أوجه التكامل بين الاقتصادين، ومن تنامي توجه دول الخليج نحو تنويع استثماراتها في الأسواق الناشئة.

ومن ثم، فإن الاستفادة من هذه البيئة الواعدة تتطلب قراراً سياسياً على أعلى المستويات، بما يضمن استمرار الجهود الدبلوماسية التي بُذلت حتى الآن وتعزيزها.

• بقلم السفير خورخي رافّو / الأمين العام لوزارة الخارجية في بيرو



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *