إستراتيجية الضم الإسرائيلية… شطب حل الدولتين وإجهاض الأفق


– 85 في المئة من الضفة يجري ضمها بمنهجية وسرعة مذهلة لإغلاق الباب أمام أي حل سياسي

– الحكومة أقرت مخطط «طريق البلاد التراثية اليهودية» للسيطرة على كل المواقع الأثرية في الضفة

– مخطط «E1»… الفصل الجغرافي ودفن الدولة الفلسطينية

في صمت دولي مُريب، تواصل إسرائيل تنفيذ أسرع عملية ضم في التاريخ الحديث للضفة الغربية المحتلة، مستخدمةً ملف الآثار والتراث غطاءً لمصادرة المواقع الأثرية، ومُسرِعةً في مخطط «E1» الاستيطاني لعزل القدس المحتلة عن محيطها الفلسطيني في الضفة… هذا التحرك الممنهج لا يستهدف فقط سرقة الأرض، بل يهدف شطب حل الدولتين نهائياً، وتجريد الشعب الفلسطيني من أي أفق سياسي، وإجباره على خيار المواجهة العسكرية غير المتكافئة كسبيل وحيد لاستعادة حقوقه المسلوبة.

ذريعة الآثار… غطاء للضم وسرقة الأراضي

تحولت وحدة ضابط الآثار في «الإدارة المدنية» في الجيش الإسرائيلي، من هيئة تقنية معنية بالحفريات الأثرية إلى ذراع تنفيذية للضم والسطو، بفعل قفزة هائلة في الميزانية من 14 مليون شيكل (2019) إلى 124 مليون شيكل حالياً، وتوسيع صلاحياتها لتشمل مناطق «ب» الخاضعة إدارياً للسلطة الفلسطينية. هذا التوسع مكّنها من مصادرة آليات هندسية وفرض قيود على البناء وزراعة واستخدام الفلسطينيين لأراضيهم، تحت ذرائع واهية.

ويُقر مسؤولو الوزراء اليمينيون المتطرفون، وفي مقدمهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير التراث عميحاي إلياهو، بأن الأولوية هي «فرض الحقائق على الأرض»، حيث أقرت الحكومة مخططاً بقيمة نصف مليار شيكل يُعرف بـ«طريق البلاد التراثية اليهودية»، بهدف السيطرة على كل المواقع الأثرية في الضفة.

ووفقاً لعالم الآثار ألون أراد، فإن 1 في المئة فقط من ميزانية الوحدة يُخصص لحماية الآثار، بينما يُضخ الباقي لـ«تهويد الضفة وتعزيز سيطرة المستوطنين». هذا التناقض الصارخ يكشف النوايا الحقيقية: التراث مجرد غطاء، والهدف هو الضم.

مخطط «E1»

في قلب الإستراتيجية الإسرائيلية يقبع مخطط «E1»، الذي وصفه البروفيسور افرايم عنبار، الباحث في معهد القدس للإستراتيجية والأمن، بأنه «منطقة أمنية بالغة الأهمية» تؤمّن المحور العسكري الحيوي الرابط بين الشريط الساحلي وغور الأردن، عبر الطريق السريع رقم 1، للتصدي لتهديدات شرقية محتملة من الأردن أو سوريا.

ويُقر عنبار، بصراحة أن الظروف الحالية، في ظل إدارة أميركية غير معارضة وتهديدات أوروبية مُستنفَذة، هي الفرصة المثلى للبناء هناك، داعياً إلى استيطان انتقائي في مناطق الإجماع الإسرائيلي، وفي مقدمتها القدس ومحيطها ومستوطنة معاليه أدوميم.

غير أن الأبعاد السياسية للمخطط تُفوق أي مبررات أمنية. فالمشروع، الذي يربط مستوطنة معاليه أدوميم (40 ألف مستوطن) بالقدس الشرقية المحتلة عبر ممر استيطاني، سيقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، ويعزل القدس عن عمقها الفلسطيني، ويجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة أمراً مستحيلاً. وبكلمات وزير المالية سموتريتش الصريحة، فإن البناء في E1 «يدفن فكرة الدولة الفلسطينية».

ضرورة التحرك الدولي والعربي… إنذار أخير

في ظل هذا التصعيد الخطير، تبرز ضرورة التحرك الفوري والحازم من المجتمع الدولي، كما يقول الدكتور عزمي أبوالسعود، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس لـ «الراي»، وعلى وجه الخصوص

– الدول العربية الموقعة على اتفاقات سلام مع إسرائيل، وفي مقدمتها الأردن ومصر.

-الولايات المتحدة، بوصفها الراعي الرسمي لاتفاق أوسلو والضامن لحل الدولتين، مطالبة بالتدخل الفوري لوقف انتهاكات إسرائيل، وإلا فإنها ستُسقط شرعيتها كوسيط وتُثبت تواطؤها مع المحتل.

وأوضح أبوالسعود أن«شطب حل الدولتين لا يعني فقط إنهاء الحلم الفلسطيني، بل يعني شطب الأفق السياسي برمته، ولا يبقى أمام الفلسطينيين حينها سوى المقاومة بكل أشكالها، وهو سيناريو سيدفع المنطقة بأسرها إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار».

وقال «30 عاماً من المفاوضات العقيمة، وُقّع خلالها اتفاق أوسلو تحت رعاية أميركية، لتتحول بعدها الولايات المتحدة من راعية للسلام إلى شريك في الاحتلال، ومن وسيط محايد إلى مُزوّد الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل».

وأضاف أبوالسعود – أحد المستشارين القانونيين لمسؤول ملف القدس الراحل فيصل الحسيني، «بينما كانت المفاوضات تُجرى على طاولات مزينة بالأعلام الفلسطينية والإسرائيلية والأميركية، كانت الجرافات الإسرائيلية تعمل ليل نهار لبناء المستوطنات، وتوسيع الاستيطان، وخلق وقائع على الأرض تجعل أي حديث عن دولة فلسطينية سخرية سياسية لا أكثر».

وأضاف «اليوم، وبعد أن أصبح 85 في المئة من الضفة الغربية تحت سيطرة استيطانية فعلية، وبعد أن تم التلاعب بملف الآثار لسرقة التاريخ والتراث، وبعد أن أصبح مخطط E1 حقيقة وشيكة، نجد أنفسنا أمام حقيقة مرة: إسرائيل القوية والمتغطرسة، والمدعومة من وسيط أميركي متواطئ، قد نجحت في دفن حل الدولتين، بينما يكتفي العالم بإصدار بيانات الإدانة التي لا تجدي نفعاً».





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *