– أحد مُؤسّسي هيكل مؤسسات الدولة عند النشأة اقتصادياً ونقدياً
– قاد فكّ ارتباط الدينار بالدولار وحدّد صرفه بسلّة عملات مُرجّحة من دول مُهمة تجارياً ومالياً
فقدت الكويت أول محافظ لبنك الكويت المركزي، حمزة عباس حسين، عن عمر ناهز 92 عاماً، بعد مسيرة اقتصادية ومصرفية ارتبطت بمرحلة تأسيس وتطوّر النظام النقدي في الكويت، كان خلالها من أبرز الأسماء التي ساهمت في بناء الإطار المؤسسي للعمل المصرفي والنقدي.
في مقدمة مُذكّراته «ونصحت لكم…»، اختصر حمزة عباس تجربته في المناصب العامة بأنها «جزء مما عاشه بسدة المسؤولية في مرحلة كانت بمنزلة تأسيس الكويت الحديثة، وأن سردها للتاريخ جاء بهدف إفادة الأجيال القادمة لا سيرة شخصية تُوثّق الإنجازات».
هذا الواقع التاريخي للرجل يُعطي لدوره أهمية مُزدوجة لجهة المساهمة بالتأسيس، ومن ناحية أخرى وضع لوحات إرشادية للمستقبل الاقتصادي والمصرفي.
فمن ناحية يُصنّف عباس على أنه أحد مُؤسّسي هيكل مؤسسات الدولة من الرعيل الأول، وتحديداً الذراع النقدي، فهو أول مُحافظ لـ «البنك المركزي» حيث تولى القيادة من 12 سبتمبر 1973 إلى 11 سبتمبر 1983، فهو من عاصر تأسيسه ووضع سياساته.
ومن جهة أخرى نجح حمزة عباس في إرساء مبادئ العمل النقدي في مراحل حاسمة من تاريخ الكويت الاقتصادي، واجه معها أزمات مالية محورية واجهتها الكويت، وأبرزها «سوق المناخ».
بدأ ارتباط حمزة عباس بالاقتصاد والعمل النقدي والمصرفي في مرحلة مُبكّرة من بناء الجهاز المالي الكويتي، إذ عُين سكرتيراً في مجلس النقد الكويتي عام 1963، ثم انتقل إلى «البنك المركزي» نائباً للمُحافظ عام 1968، وكان في الوقت نفسه يقوم بأعمال المُحافظ، كما شغل منصب نائب مُحافظ الكويت في صندوق النقد الدولي، واستمر في هذا الموقع حتى 1983، ليُسجّل بذلك أول توقيع على الدينار الكويتي الحديث مُحافظاً على الأرجح 1973.
وجاء انتقاله إلى «المركزي» في مرحلة تأسيس البنك وتشكيل أطره المؤسسية، حيث كان جزءاً من الجيل الذي تولّى وضع وترسيخ الممارسات النقدية والمصرفية في الدولة، وتطوير العلاقة بين البنك والجهاز المصرفي والجهات الاقتصادية الحكومية، لتتحوّل معه المهام النقدية من مجرد إصدار النقد، كما كان مكلفاً مجلس النقد الكويتي القيام به، إلى هيكل تنظيمي شامل لديه 5 مهام رئيسية تشمل إصدار النقد والإشراف على القطاع المصرفي وبنك الحكومة ومستشار الدولة، فضلاً عن إدارة منظومة السيولة في البلاد.
في 12 سبتمبر 1973، تولّى حمزة عباس حسين منصب محافظ «المركزي»، واستمر في المنصب من 1973 حتى 11 سبتمبر 1983، علماً أنه اشتغل محافظاً بالوكالة منذ تأسيس «البنك المركزي» 1968، وهي فترة شهدت توسّعاً كبيراً في الاقتصاد الكويتي وارتفاعاً في حجم النشاط المصرفي والاستثماري، بالتزامن مع التحولات التي فرضتها الطفرة النفطية على الاقتصاد والقطاع المالي.
ومما يُضاء له في مسيرة عباس حمزة، أنه في عهده وتحديداً في 1973 حدث فك ارتباط الدينار بالدولار، لصالح تحديد سعر صرفه بناء على سلة خاصة مُرجّحة من عملات الدول التي ترتبط بعلاقات تجارية ومالية مهمة مع الكويت.
وجاءت هذه الخطوة للدينار الحديث بعد ما يعرف تاريخياً «بصدمة نيكسون»، حيث ألغى الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، التحويل الدولي المباشر من الدولار إلى الذهب، ونجح عباس في فك الارتباط المنفرد بالدولار بسلاسة مدفوعاً بخبرته السابقة في مجلس النقد، إلى جانب دراسته الاقتصادية وتدريبه المصرفي، وقد أثبتت هذه السياسة حسب وكالات التصنيف العالمية فعاليتها لأكثر من أجيال ممتدة حتى الآن.
وعملياً كانت أزمة سوق المناخ أحد أصعب التحديات المفصلية التي واجهت السياسة النقدية والجهاز المصرفي خلال فترة عمله، ووثق عباس تجربته في كتاب مذكراته «ونصحت لكم…»، موضحاً أن قيمة الشيكات المؤجلة الدفع بلغت نحو 27 مليار دينار، بما يعادل 6 أضعاف قيمة الائتمان الحقيقي الذي تكوّن في الجهاز المصرفي خلال أكثر من 4 عقود، فيما حذّر وقتها من انتقال آثار انهيار السوق إلى البنوك والقطاع المالي وعمل على تفادي ذلك.
وفي مُذكّراته كشف حمزة عباس حجم الضغوط التي واجهها خلال الأزمة، قائلاً: «كنت سأصبح سعيداً لو وافق الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح على طلب التنحّي، بعد رفض سموه في المرتين السابقتين خلال فعاليات سوق المناخ، فهذا ما كان سيخلّصني من الكابوس المُحتّم حدوثه، وهو انهيار السوق».
بعد انتهاء مهمته في «المركزي» 1983، واصل عباس نشاطه في المجال الاقتصادي من خلال عضوية المجلس الأعلى للتخطيط، واللجنة العليا للتنمية وإصلاح المسار الاقتصادي، ولجنة الاستثمار الأجنبي، إلى جانب المجلس الأعلى للتعليم. كما شارك في مجالس إدارة عدد من البنوك والشركات الاستثمارية داخل الكويت وخارجها، وعمل مستشاراً للجنة المالية والاقتصادية في مجلس الأمة.
ولم تتوقّف مُساهمته عند العمل المؤسسي، إذ واصل حمزة عباس طرح رؤيته في القضايا الاقتصادية والتنموية من خلال مقالاته في الصحافة المحلية، والتي تناولت الاقتصاد والتعليم ومستقبل التنمية في الكويت.
