لسنوات، حققت شركات كورية قوية أرباحاً، وامتلكت قدرات تشغيلية كبيرة، ومع ذلك تداولت أسهمها بتقييمات أقل من نظيراتها العالمية.
وعرفت هذه الظاهرة بـالخصم الكوري (Korea Discount)، وكان ضعف حوكمة الشركات (Corporate Governance)، بما في ذلك هيمنة المساهمين المسيطرين، وضعف حماية مساهمي الأقلية، ومحدودية استقلال مجالس الإدارة، من أبرز أسبابه.
وقد لمست أهمية الحوكمة من واقع الممارسة، لكن هذه التجربة هي ما أعادني إلى الكتابة عنها الآن، لأنها أظهرت أن السوق لا يقيم أرباح الشركة وحدها، بل يقيم أيضاً الطريقة التي تتخذ بها قراراتها وتحمي بها حقوق مساهميها.
وأمام هذه المشكلة، لم تتعامل كوريا مع الحوكمة باعتبارها ملفاً تنظيمياً فحسب، بل جزءاً من سياسة رفع قيمة السوق. ومنذ 2025، أقرت إصلاحات وسعت نطاق واجبات أعضاء مجالس الإدارة تجاه المساهمين، وعزّزت دور الأعضاء المستقلين، وشددت قواعد انتخاب أعضاء لجان التدقيق، ووسعت قدرة مساهمي الأقلية على التأثير. وفي 2026، استكملت المسار بتشديد قواعد أسهم الخزينة.
وفي 2025، ارتفع مؤشر «KOSPI» بنسبة 75.6 %، مسجلاً أفضل أداء بين الأسواق الرئيسية. وتزامن هذا الأداء مع الإصلاحات، لكن لا يمكن نسبته إلى الحوكمة وحدها، فقد كان لأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي دور رئيسي. فجوهر التجربة ليس حركة المؤشر خلال فترة محددة، بل دخول الحوكمة نفسها في معادلة الثقة والتقييم.
وليست التجربة الكورية حالة منفردة. فقد وجدت دراسة عالمية نشرتها مجلة الاقتصاد المالي (Journal of Financial Economics)، تناولت إصلاحات مجالس الإدارة في 41 دولة، ارتفاعاً في قيمة الشركات بعد الإصلاحات، وكان الأثر الأوضح مع تعزيز استقلال المجالس ولجان التدقيق. وهذا لا يعني أن الحوكمة وحدها تضمن الأرباح، لكنه يؤكد أنها تدخل في معادلة الأداء والقيمة.
ومن هنا تبرز المفارقة في شركات القطاع الخاص، فالمبيعات والاستثمار والتشغيل تصنف ضمن الأنشطة التي تحقق الإيرادات وتصنع الأرباح، ولذلك ينظر إليها باعتبارها (مراكز ربح).
أما الحوكمة، فينظر إليها غالباً بوصفها وظيفة رقابية أو مساندة، وتختزل مهمتها في إعداد التقارير واستكمال النماذج وسد الخانات.
هذه النظرة مفهومة محاسبياً، لكنها قاصرة اقتصادياً.
فالحوكمة لا تحقق إيراداً مباشراً، ولذلك لا تعد مركز أرباح بالمفهوم المحاسبي. لكن ذلك لا يجعلها مجرد مركز تكلفة، فهي تؤثر في جودة القرار، وتخصيص رأس المال، وحجم المخاطر، وتضارب المصالح، وكلفة التمويل، وثقة المستثمرين. وقد لا يظهر عائدها في بند مستقل ضمن قائمة الدخل، لكن الخسارة التي تمنعها قيمة، والقرار الذي تحسنه قيمة، والثقة التي تبنيها تنعكس على تقييم الشركة وقدرتها على جذب رأس المال.
ولهذا، فإن الحوكمة لا تحتمل المجاملة، لأنها لا تتعلق بإجراء داخلي يخص الإدارة وحدها، بل بحقوق مساهمين وأموالهم. ولا يكفي استيفاء الصفات على الورق، فالعبرة باستقلال القرار، وفاعلية الرقابة، وعدالة المعاملة بين جميع المساهمين.
والمقصود ليس تغيير تصنيفها المحاسبي، بل موقعها في التفكير الإداري، أن تحضر قبل القرار لتسهم في اختباره وحمايته، لا أن تستدعى بعده لاستكمال إجراءاته. فمن يحسن القرار ويحمي رأس المال ليس على هامش النتائج، بل شريك في صناعتها.
وهنا يظهر الدرس للكويت ودول مجلس التعاون. فالمستثمر لا يقيم الشركات بأرباحها الحالية وحدها، بل ينظر أيضاً إلى جودة إدارتها، واستقلال رقابتها، وقدرتها على حماية حقوق جميع مساهميها.
ومع التحولات الاقتصادية الكبرى في الكويت ودول مجلس التعاون، لن تعتمد جاذبية الأسواق على حجم المشاريع والتمويل وحدهما. فحين تصبح الحوكمة جزءاً أصيلاً من صناعة القرار، لا مجرد خانة في نموذج، تنتقل من وظيفة مساندة إلى مركز حقيقي لصناعة القيمة وحمايتها.
