ما يريده حزب البديل من أجل ألمانيا… وماذا يعني صعوده لبرلين وأوروبا؟


– يُمثّل الحزب الشعبوي ظهور مشروع سياسي يسعى إلى تغيير مسار المانيا ما بعد الحرب

حقق حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) تقدماً انتخابياً تاريخياً، يتجاوز كونه مجرد تصويت احتجاجي إقليمي. فهو يمثل ظهور مشروع سياسي يسعى إلى تغيير مسار ألمانيا ما بعد الحرب: الابتعاد عن التكامل الأوروبي والتحالف الأطلسي، والتوجه نحو السيادة الوطنية، والمحافظة الثقافية، وسياسات الهجرة التقييدية، وتجديد العلاقات مع روسيا.

ترتبط مواقف الحزب، في شأن أوكرانيا وأوروبا والهجرة والطاقة والسياسة الاجتماعية، بمبدأ مركزي واحد، وهو ضرورة استعادة الدولة القومية الألمانية للصلاحيات التي نُقلت إلى الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية الأخرى.

ولا يقتصر هدفه على تغيير سياسات فردية فحسب، بل يتعداه إلى إعادة تعريف مكانة ألمانيا داخل أوروبا والنظام الدولي.

يرفض الحزب الشعبوي، وصفه بأنه يميني متطرف، ويُقدم نفسه كحزب قومي محافظ. وقد صُنفت بعض فروعه الإقليمية على أنها يمينية متطرفة، بينما لايزال الوضع القانوني للحزب على المستوى الفيدرالي، محل جدل.

وتُصنف الدراسات الأكاديمية عموماً حزب البديل من أجل ألمانيا، ضمن اليمين المتطرف الشعبوي، بدلاً من اعتباره محافظاً فحسب أو مناهضاً للديمقراطية بشكل صريح.

ويُميز علماء السياسة بين اليمين المتطرف – الذي يُشارك في الانتخابات ولكنه يُشكك في جوانب من الديمقراطية الليبرالية، بما في ذلك التعددية وحماية الأقليات – وبين اليمين المتطرف الذي يرفض الديمقراطية نفسها.

ويُصنف الحزب ضمن اليمين المتطرف لأنه يجمع بين النزعة القومية المتطرفة والاستبداد والشعبوية: فهو يُعطي الأولوية للمجتمع القومي الأصلي، ويدعو إلى «إعادة الهجرة» ونظام اجتماعي أكثر صرامة، ويُصور السياسة على أنها صراع بين «الشعب الحقيقي» ونخبة حاكمة فاسدة.

الإسلام والهوية الوطنية

يميز الحزب رسمياً بين المسلمين المندمجين وبين «الإسلام السياسي»، ومع ذلك، فهو يسعى لمنع ما يسميه «التوسع المستمر للإسلام» في ألمانيا.

يدعو برنامج الحزب إلى حظر تمويل المساجد من قبل دول أجنبية، وإلزام الأئمة التحدث باللغة الألمانية والاعتراف بالنظام الدستوري، وإغلاق أقسام إسلامية في الجامعات، وحظر المنظمات التي تُصنّف على أنها إسلاموية. كما يؤيد فرض قيود على ارتداء النقاب (تغطية الوجه بالكامل)، والزواج القسري، والاستثناءات الدينية في المدارس.

وتشكل هذه المقترحات جزءاً من مسعى أوسع للحفاظ على ما يصفه الحزب بـ «الحضارة الألمانية – الأوروبية المسيحية». وفي هذا السياق، يتطلب الاندماج أكثر من مجرد الامتثال للقانون؛ إذ يستلزم تكيفاً ثقافياً مع الهوية الألمانية السائدة.

أوكرانيا وروسيا

دان حزب البديل من أجل ألمانيا رسمياً الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022. ومنذ ذلك الحين، عارض العناصر الأساسية لسياسة ألمانيا تجاه الحرب.

يطالب الحزب بتقليص أو إنهاء المساعدات العسكرية والمالية لأوكرانيا. ويرى أن استمرار إمداد ألمانيا بالأسلحة يُطيل أمد الصراع، ويُضعف قدراتها العسكرية، ويُخضع مصالحها لمصالح واشنطن وحلف شمال الأطلسي وكييف.

ينظر الحزب إلى أوكرانيا كدولة محايدة خارج كلٍ من «الناتو» والاتحاد الأوروبي. وهو يعارض أي توسع شرقي إضافي من جانب أيٍّ من المنظمتين، ويدعو إلى مفاوضات تُراعي مصالح روسيا الأمنية المعلنة. كما دعت كتلته البرلمانية إلى رفع العقوبات تدريجياً لتشجيع المفاوضات، وإلغائها تماماً بعد التوصل إلى اتفاق، والإفراج عن الأصول الروسية المجمدة.

أما في ما يتعلق بروسيا، فيسعى إلى تطبيع العلاقات السياسية والتجارية. ويصف برنامجه، موسكو بأنها مصدر موثوق تاريخياً للطاقة بأسعار معقولة، ويدعو إلى استئناف التجارة، ورفع العقوبات، وإصلاح خطوط أنابيب «نورد ستريم».

يُقدم الحزب هذا الموقف على أنه واقعي: إذ لا ينبغي لألمانيا أن تُضحي باقتصادها في مواجهة تزعم الولايات المتحدة أنها تستفيد منها. لكن النتيجة العملية ستكون إضعاف موقف كييف التفاوضي، وتقويض نظام العقوبات الأوروبية، واستعادة مكانة موسكو كشريك اقتصادي وأمني مقبول قبل انسحاب روسيا الضروري من الأراضي الأوكرانية المحتلة.

أوروبا الأمم

لا يعارض حزب البديل، التعاون بين الدول الأوروبية، بل يعارض الاتحاد باعتباره هيكلاً سياسياً فوق وطني متزايد التعقيد. يقترح استبدال الاتحاد الأوروبي بـ«اتحاد أوروبي» أكثر مرونة. وبموجب هذا النموذج، تتعاون الدول ذات السيادة حيثما تتلاقى مصالحها، لا سيما في مجالات التجارة والحدود الخارجية والأمن، على أن تعود معظم الصلاحيات من بروكسل إلى الحكومات الوطنية.

يرفض الدين الأوروبي المشترك، والمزيد من التكامل السياسي، وما يعتبره تنظيماً مفرطاً من جانب الاتحاد. ويرغب في خروج ألمانيا من نظام اليورو، وربما إعادة المارك الألماني. كما يرغب في الإبقاء على السوق الأوروبية المشتركة، لكنه سيفكك جزءاً كبيراً من البنية السياسية والمؤسسية التي بُنيت حولها.

في ما يتعلق بالأمن، يتخذ الحزب موقفاً يبدو متناقضاً. فهو يدعم البقاء في حلف الأطلسي في الوقت الراهن، بينما يدعو في نهاية المطاف إلى إنشاء هيكل عسكري أوروبي مستقل. ويريد أن تصبح أوروبا مركز قوة مستقلاً في عالم متعدد الأقطاب، أقل تبعية للولايات المتحدة.

مع ذلك، فإن إضعاف المؤسسات المشتركة للاتحاد قد يقلل من قدرة أوروبا على العمل الجماعي. لذا، فإن نموذج حزب البديل من أجل ألمانيا لا يُمثل أوروبا موحدة أقوى، بل هو أشبه بتحالف بين دول ذات سيادة، تسعى كل منها لتحقيق مصالحها الوطنية وتتعاون بشكل انتقائي.

وإذا طبقت ألمانيا، أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي وأكثر أعضائه نفوذاً، هذا النهج، فقد يُعيق التكامل الأوروبي أو يُؤدي إلى تراجعه. كما قد يُعزز هذا النموذج الأحزاب القومية في أماكن أخرى، مُظهراً قدرة اليمين المتطرف على الانتقال من المعارضة إلى السلطة من دون التخلي عن أهدافه الأساسية.

الهجرة واللجوء و«إعادة الهجرة»

لاتزال قضية الهجرة تُمثل القضية الداخلية الأبرز بالنسبة للحزب. فهو يُطالب بفرض رقابة دائمة على الحدود، ورفض استقبال المهاجرين غير النظاميين على حدود ألمانيا، وإعادة سلطة اللجوء من الاتحاد إلى الحكومات الوطنية.

ويقترح تسريع عمليات ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين، والمجرمين الأجانب، والأشخاص الذين يُعتبرون تهديداً أمنياً. ومن المتوقع أن يعود اللاجئون عندما تُقرر زوال الظروف التي بررت حمايتهم. وسيتم تقييد أهلية الأجانب للحصول على إعانات الرعاية الاجتماعية، بينما سيتم نقل اللاجئين الأوكرانيين من نظام *Bürgergeld* الأكثر سخاءً إلى نظام إعانات طالبي اللجوء.

يُصنّف حزب البديل هذه الإجراءات تحت مُصطلح «إعادة الهجرة». ويُعرّف برنامجه الرسمي هذا المصطلح بأنه تنفيذ أوامر الترحيل، وتشجيع العودة الطوعية، وإزالة الحوافز التي تُشجع الأشخاص الذين لا يملكون حق الإقامة الدائمة على البقاء.

يدور الجدل حول المدى الذي قد يصل إليه هذا المفهوم في نهاية المطاف؛ إذ يركز البرنامج الرسمي للحزب في المقام الأول على غير المواطنين الذين يفتقرون إلى حق قانوني في الإقامة، لكن النقاد يخشون أن يؤدي التفسير الأيديولوجي الأوسع لهذا المفهوم إلى استهداف المقيمين القانونيين أو الألمان المتجنسين الذين يُنظر إليهم على أنهم لم يندمجوا بشكل كافٍ في المجتمع.

بالنسبة للحزب، لا تُعد الهجرة مجرد مسألة اقتصادية أو أمنية، بل هي مرتبطة بالحفاظ على الهوية الديموغرافية والوطنية والثقافية لألمانيا.

الاقتصاد والطاقة والمناخ

على الصعيد الاقتصادي، يجمع الحزب بين سياسات السوق الحرة والنزعة القومية الاقتصادية؛ فهو يؤيد خفض الضرائب وتقليل القيود التنظيمية والحد من تدخل الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تشديد القيود على حصول الأجانب على مزايا الرعاية الاجتماعية.

ومن شأن سياسة الحزب في مجال الطاقة أن تقلب الإستراتيجية البيئية لألمانيا رأساً على عقب؛ إذ يسعى الحزب إلى إلغاء ضرائب الكربون، والانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، والتراجع عن قرار التخلص التدريجي من الطاقة النووية، وتوسيع نطاق استخدام الفحم، واستئناف استيراد الغاز الروسي منخفض التكلفة. كما يعارض الحزب «الصفقة الخضراء» للاتحاد الأوروبي والحظر المزمع فرضه على السيارات الجديدة التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي.

ويرى أن سياسة المناخ قد ألحقت الضرر بالصناعة الألمانية دون أن يكون لها تأثير يذكر على درجات الحرارة العالمية؛ لذا يمنح برنامجه الأولوية للقدرة التنافسية الصناعية وأمن الطاقة على حساب الالتزامات الأوروبية المتعلقة بالمناخ.

ألمانيا مختلفة

ويروج الحزب لنموذج الأسرة التقليدية المكونة من أب وأم وأطفال. كما يدعم السياسات الرامية إلى زيادة معدل المواليد في ألمانيا، ويعارض سياسات دمج قضايا النوع الاجتماعي (الجندر) وتشريعات تحديد الهوية الذاتية للمتحولين جنسياً، ويسعى لتخليص المدارس مما يصفه بـ «التلقين الأيديولوجي».

علاوة على ذلك، يدعو إلى إجراء استفتاءات وطنية على غرار النموذج السويسري، وتقليص التمويل العام للمنظمات غير الحكومية ومؤسسات التحقق من الحقائق، وإجراء إعادة هيكلة جذرية لنظام البث العام. تكشف هذه المواقف مجتمعةً عن مشروع استراتيجي متماسك: ألمانيا أقل ميلاً للتوجه الأطلسي، وأقل اندماجاً في الاتحاد الأوروبي، وأكثر انفتاحاً على روسيا، وأكثر تشدداً تجاه الهجرة، وأكثر ميلاً للنزعة المحافظة ثقافياً.

وإذا طُبِّق هذا البرنامج على المستوى الوطني، فلن يقتصر أثره على دفع ألمانيا نحو اليمين فحسب، بل قد يؤدي إلى تقويض الإجماع الأوروبي في شأن قضايا أوكرانيا، والعقوبات، والهجرة، وسياسات المناخ، والتكامل السياسي. وهكذا، قد تتحول ألمانيا – التي طالما عُدَّت المحرك الرئيسي للمشروع الأوروبي – إلى القوة الرئيسية المعارضة لاستمراره بشكله الحالي.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *