– منال الكندري لـ«الراي»: قطعة صغيرة خلال المسوح الميدانية لمعهد الأبحاث قادت إلى اكتشاف علمي جديد
– تحليل «DNA» كشف عن «أوستريا سوروسابوكولا» كنوع جديد من المحار في الكويت
– النوع الجديد منتشر على السواحل من خور الصبية إلى فيلكا وأم النمل والأبراج وأنجفة والمسيلة
تبدو صخور منطقة الصبية صامتة، ولكنها إذا تحدثت فإنها تكشف عن سر تحمله قطعة صغيرة على الشاطئ، لتعلن عن اكتشاف لم يصل إليه العلم بعد.
ففي عالم البحار لا ترتبط الاكتشافات بالأشياء النادرة التي تلفت الأنظار، فقد تبدأ القصص من أشياء صغيرة نمر بجانبها دونما اهتمام، وهكذا بدأت القصة مع محارة صغيرة مهملة على الساحل في منطقة الصبية.
المحارة المنسية على الطين، قادت إلى اكتشاف علمي جديد، وبتحليل حمضها النووي (DNA)، أعلن عن «أوستريا سوروسابوكولا» كنوع جديد من المحار من الكويت، واعتمد الاكتشاف عالمياً خلال العام الحالي، وكانت الكويت هي موطن الاكتشاف، وأدرج النوع الجديد ضمن قائمة الكائنات الحية المعروفة عالمياً.
البداية
الباحثة الأكاديمية في معهد الكويت للأبحاث العلمية الدكتورة منال الكندري، روت لـ«الراي» تفاصيل الاكتشاف، بالقول «خلال مسوحاتنا الميدانية لدراسة التنوع البيولوجي للكائنات البحرية في منطقة المد والجزر على شواطئ الكويت، كنا نقلب الصخور ونفحص البيئات الساحلية ونجمع العينات لتوثيق الأنواع التي تعيش فيها، وبين تلك العينات ظهرت محارة صغيرة، لم تبدو لنا في الوهلة الأولى غريبة أو استثنائية».
وأشارت إلى أنهم اعتقدوا في البداية أن المحارة تنتمي إلى نوع معروف من المحار، يحمل اسم أوستريا سابوكولا «Ostrea subucula»، وهو نوع سُجل من مناطق أخرى خارج الكويت. «ولكن في علم التصنيف، لا يكون التشابه في الشكل دائماً دليلاً على أن الكائنات تنتمي إلى النوع نفسه، إذ تتميز أصداف المحار بقدرتها الكبيرة على تغيير شكلها تبعاً للبيئة والسطح الذي تنمو عليه، فقد يتغير شكل الصدفة وسمكها وتفاصيلها الخارجية، ما يجعل نوعين مختلفين يبدوان متشابهين إلى حد كبير».
وأضافت «من هنا بدأ السؤال هل المحار الموجود في الكويت هو بالفعل النوع نفسه المعروف من مناطق أخرى؟ وللإجابة عن السؤال لم يكن النظر إلى الصدفة وحده كافياً. ومن هنا بدأت رحلة علمية جمعت بين الطرق التقليدية والحديثة في علم التصنيف، فدُرست الأصداف وتفاصيلها الدقيقة، وفُحص التشريح، وقورنت العينات الكويتية بعينات من مناطق أخرى، ثم جاء الدور الحاسم لتحليل الحمض النووي DNA وهنا ظهرت المفاجأة».
كشف السر
وتابعت الكندري «عندما قورنت البصمة الجينية للعينات الكويتية بعينات النوع أوستريا سابوكولا، من عُمان ومناطق أخرى في غرب المحيط الهندي، ظهرت مفاجأة واضحة أن المحار الكويتي ليس من النوع نفسه، واتضح أن التشابه الخارجي كان يخفي اختلافاً كبيراً».
وأشارت إلى أن «التحليل الجيني كشف وجود خطين تطوريين منفصلين بوضوح. وأظهر أحد المؤشرات الجينية الرئيسية اختلافاً بين العينات الكويتية والعينات المقارنة، وهي مسافة جينية كبيرة تدعم كونها نوعين مختلفين. كما أكدت مؤشرات جينية أخرى النتيجة ذاتها، ولم تكن هناك أنماط جينية مشتركة بين المجموعتين، بمعنى أبسط أن المحارة التي كنا نراها على سواحل الكويت لم تكن مجرد مجموعة محلية من نوع معروف، بل كانت نوعاً مختلفاً لم يسبق للعلم وصفه وهكذا حصلت على اسمها العلمي الجديد (أوستريا سوروسابوكولا)».
وذكرت أن «الأكثر إثارة أن قصة هذا النوع مرتبطة مباشرة بسواحل الكويت، فقد وثقت الدراسة وجود أوستريا سوروسابوكولا، في عدد من المواقع الكويتية، من خور الصبية شمالاً، مروراً بجزيرة فيلكا وأم النمل وشرق بالقرب من أبراج الكويت، وصولاً إلى أنجفة والمسيلة».
وقالت إن «عينة المحار التي اختيرت لتكون العينة المرجعية الأساسية للنوع الجديد، ليرجع إليها العلماء مستقبلاً للتحقق من هويته، جُمعت من شرق بالقرب من ساحل أبراج الكويت، ما يعني أن اسم الكويت ومياهها الساحلية أصبحا مرتبطين بصورة دائمة بالتعريف العلمي لهذا النوع، لاسيما بعد نشره ووصفه رسمياً بمجلة علمية عالمية، حيث يستطيع أي باحث في المستقبل أن يعثر على محارة مشابهة في أي مكان أن يقارنها بهذا النوع وبعيناته المرجعية المسجلة علمياً».
البحث عن اللغز
أكدت الكندري أن «اكتشاف النوع الكويتي الجديد من المحار، فتح ملفاً علمياً قديماً ومعقداً يعود إلى عشرات السنين، فعند تتبع تاريخ تصنيف هذه المجموعة من المحار، وجدنا أن أسماء مختلفة استُخدمت عبر السنوات، وأن بعض الأنواع جرى الخلط بينها، وهنا تحولت الدراسة من البحث عن هوية محارة كويتية صغيرة إلى ما يشبه التحقيق العلمي في قضية قديمة، وكان علينا الرجوع إلى الأوصاف التاريخية والعينات المحفوظة في المتاحف، ومقارنة أشكال الأصداف، وتتبع الأسماء التي أطلقها العلماء عليها عبر العقود، ثم وضع كل ذلك إلى جانب الأدلة الجينية الحديثة».
أهمية الاكتشاف
قالت الكندري «قد يسأل البعض ما أهمية اكتشاف نوع جديد من المحار؟ والإجابة أكبر بكثير من مجرد إضافة اسم جديد إلى الكتب. فالمحار جزء مهم من النظم البيئية الساحلية وله دور كبير في السلسلة الغذائية، وتجمعاته يمكن أن توفر موائل لكائنات بحرية أخرى وتدعم التنوع البيولوجي والأمن الغذائي، وتساهم في استقرار البيئات الساحلية. ولهذا فإن معرفة الأنواع التي تعيش فعلياً في مياهنا تشكل أساساً لفهم هذه البيئات ومراقبة التغيرات التي تطرأ عليها والمحافظة عليها».
أسرار بحر الكويت
أشارت الكندري إلى أنه «لا يزال في بحر الكويت الكثير مما يستحق أن نبحث عنه، ونوثقه ونعرفه قبل أن نفقده. فقد تكون هناك أنواع نراها منذ سنوات ونعتقد أننا نعرفها، بينما تخفي داخل خلاياها تاريخاً تطورياً مختلفاً تماماً. ومع الجمع بين العمل الميداني، ودراسة الشكل والتشريح، وتحليل الحمض النووي، أصبح بإمكان العلماء قراءة تلك القصص التي لا تستطيع الأصداف وحدها أن ترويها».
أنواع المحار
رأت الكندري أن «التعرف على أنواع المحار من شكل الصدفة وحده يعد تحدياً حقيقياً للعلماء. فشكل صدفة المحار يتأثر بصورة كبيرة بالبيئة والسطح الذي ينمو عليه. وقد تتغير هيئة الصدفة وسمكها وتفاصيلها الخارجية، تبعاً لمكان التصاقها والظروف المحيطة بها. ولهذا قد تتشابه أنواع مختلفة إلى درجة يصعب معها التمييز بينها بالعين وحدها، وفي المقابل قد تبدو أفراد النوع الواحد مختلفة في أشكالها».
