لم تكن جولةُ الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، في مدينة النبطية ومنطقة زوطر الغربية، مجرد إعلان عودةٍ للدولة إلى بقعةٍ ارتفعتْ مَخاطر تَوَسُّع إسرائيل في اتجاهها وأخرى خرجتْ أطرافُها قبل نحو شهرين من دائرة الاحتلال، بمقدار ما أنها شكّلتْ حَدَثاً فوق عادي لا يمكن فَصْلُه عن ارتجاجاتِ التفجير المزلْزل لمرتفعات علي الطاهر بنحو 1.1 مليون كيلوغرام من المتفجرات ومحاولاتِ بيروت ملاقاة الجهود الدولية لخفْض التصعيد جنوباً وفَرْملة اندفاعة تل أبيب نحو مزيدٍ من ضرب البنية التحتية الإستراتيجية لـ «حزب الله» شمال نهر الليطاني.
من هنا تم التعاطي مع الزيارة المفاجئة التي قام بها عون، في الصباح الباكر لمدينة النبطية وزوطر الغربية، يرافقه قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وقادة الأجهزة الأمنية، على أنها من ضمن «الحياكة» الأمنية والسياسية والدبلوماسية التي يَسعى لبنان من خلالها إلى توفير «سلّم» للنزول مِن على «التلة» الأخطر التي عَلِقَ عليها منذ سقوط «علي الطاهر» ثم تفجيره (مساء الخميس)، وما عَناه هذا التطور بالمعنى العسكري خصوصاً لجهة انكشافِ عاصمة جبل عامل (مدينة النبطية) وتالياً المساحة الجبلية الممتدة شمال شرقها.
وفي وقت جرى إرجاءُ الجولةِ الثامنةِ من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة إلى أكتوبر المقبل، على أن تلتقي السفيرة اللبنانية ندى معوض، والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، في وزارة الخارجية الأميركية، خلال أيام، فإنّ هذا المعطى فَرَض نفسه على المشهد الماكرو الذي جاء في سياقه «اجتثاثُ» تلّة علي الطاهر بالمتفجراتِ (تسببت بزلزال تم رصده بقوة 4.1 درجة على مقياس ريختر) ثم زيارة عون للنبطية، وسط التعاطي مع الأسابيع القليلة المقبلة على أنها محكومةٌ بمساريْن يتسابقان ويَتعاكسان في الوقت نفسه، ولإسرائيل في كليهما أفضلية بعدما جعلها الميدانُ أمام وضعية win-win situation.
– الأول أن يَمْضي بنيامين نتنياهو بتحويلِ الفترة المصيرية الفاصلة عن انتخاباته مَسْرَحاً للمزيد من التصعيدِ العسكري الذي يرفد حملته الانتخابية بعناصر قوةٍ ظهّرها الخميس بتحويل تلة علي الطاهر التي وصفها بأنها «أكبر موقع إيراني خارج إيران»، ما يشبه «صندوقة نار» يُخشى أن تُستكمل بإطباقٍ نحو العمق الجبلي الذي يشكّل الحلقةَ الناقصة في «الحدود الأمنية» التي تباهى وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بأنها باتت تمتدّ «من ساحل البحر المتوسط غرباً وحتى جبل الشيخ شرقاً»، مؤكداً أن جيشه على أهبة الاستعداد «لمواصلة الحملة ومهاجمة (حزب الله) وأماكن أخرى».
وإذ يشكّل شمال شرقي مدينة النبطية المسرح الجغرافي «الناقص» في معادلة كاتس، وعلى وقع تأكيد الجيش الإسرائيلي «أن كل قرية تُقام فيها بنية تحتية إرهابية (لحزب الله)، ويوجد فيها مخربون، تعرّض نفسها للخطر (…)»، فإنّ ما عمّق المخاوفَ من أن ما يَفصل تل أبيب عن الإمعان في التمدّد شمال الليطاني هو فقط «قرار» من نتنياهو، وغطاء من واشنطن تمثّل بموقف رئيس البرلمان نبيه بري، الذي علّق «على التطورات في الجنوب ولا سيما الأحداث الأخيرة في النبطية، واحتمال إقدام إسرائيل على احتلال مناطق جديدة» بالقول: «الوضع خطير، والحلول كلها بعيدة. اتفاق الإطار (بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة طار. وإذا أراد الإسرائيلي أن يحتلّ، فإنّه يستطيع ذلك».
ورأت أوساط سياسية أن موقف بري (النبطية من أبرز معاقله)، الذي شدّد أيضاً على أن الجيش «هو العمود والركن الأساس في لبنان»، حَمَلَ رسائل مشفّرة عدة ليس أقلّها أن «حزب الله» لم تعد لديه أي قدرة ردعٍ لإسرائيل عن التقدّم «حين تشاء»، وأنّ حتى المسار الإيراني الذي سبق أن اعتبره عنصر إسناد لوضعية لبنان بات فاقداً التأثير الكابح لجماح إسرائيل، وأن تفعيل حضور المؤسسات الشرعية في المناطق غير المحتلة جنوباً قد يكون الأكثر قابلية لإحراج تل أبيب وإخراج البلاد من الواقع الحرِج الذي انزلقت إليه.
– أما المَسار الثاني، فهو محاولة جعْل الأسابيع التي تفصل عن جولة مفاوضات أكتوبر، فسحةً لخفْض التوتر، على قاعدة مرحلة «اختبارية» غير معلَنة، أشبه بـ «منطقة تجريبية» مضمرة، قوامها اكتفاء إسرائيل بـ «إنجاز» علي الطاهر الذي سمحتْ به واشنطن وتعليق أي تقدّم إضافي، في موازاةِ تَمَدُّد حضور الدولة اللبنانية عبر الجيش في مناطق التماس الأقرب شمال الليطاني وتحييد أي وجود عسكري لحزب الله فيها.
وفيما اعتُبر ما أعلنتْه إذاعة الجيش الإسرائيلي من أن القوات المتوغلة انسحبت من مرتفعات علي الطاهر، وتتمركز في خطوط خلفية بمنطقة قلعة الشقيف، أحد مؤشراتِ هذه المحاولة، وُضع تكثيفُ انتشار الجيش اللبناني في النبطية، بعد أيام قليلة من إعلان تل أبيب السيطرة العملياتية على «علي الطاهر» (3 سبتمبر)، وصولاً لزيارة عون للمدينة (وهي تبعد نحو 4 كيلومترات عن التلة) غداة تفجير أكثر من كيلومترين من الأنفاق تحت التلة، في سياقِ سحْب ذرائع من أمام اسرائيل لإلحاقِ هذه المدينة بحلقة النار والتدمير الجهنمية وتشكيلِ نوع من «الحاجزِ» الذي يحمي الخاصرة الرخوة الجغرافية الجديدة.
وكان لافتاً أن عون، الذي يستعدّ للمشاركة بالاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس الأربعاء والخميس – وسط التعاطي مع الانتشار في النبطية على أنه إشارة بالغة الأهمية في سياق تحفيز الدول المشاركة على تمويل هذا المسار – حرص خلال جولته في المدينة على القول رداً على سؤال حول المفاوضات «ما في شي هلّق».
وخلال جولة للرئيس اللبناني سيراً على الأقدام في سوق النبطية لاقاه المواطنون، وتوقف للإصغاء الى مناشداتهم محيِّيا تشبّثهم بأرضهم. ودار حوار عفوي بينه وعدد من المواطنين، كرر خلاله وقوف الدولة إلى جانب أبناء المنطقة والعمل على تأمين احتياجاتهم الأمنية والإنمائية.
وبعد النبطية، قام عون، والوفد المرافق بزيارة الى بلدة زوطر الغربية حيث تفقَّد وحدات الجيش المنتشرة فيها.
وعلى وقع هذه التطورات، شخصت الأنظار على جلسة المناقشة العامة لحكومة الرئيس نواف سلام، يومي الثلاثاء والأربعاء، في ضوء الخشية من أن تتحوّل «جاذبة صواعق» سياسية، ربْطاً بالانقسام العمودي حول ملف سلاح «حزب الله» والحرب التي يزجّ لبنان فيها، كما القلاقل الاجتماعية التي بدأت تفرز طلائع اضطراباتٍ في الشارع يؤجِّجها غولُ التضخّم المتوحّش.
وفي حين تُعتبر هذه الجلسة الأولى من نوعها منذ أعوام، يُخشى أن تنزلق إلى مساراتٍ متفجّرة سياسياً، في المداخلات كما سيناريوهاتٍ من نوع طرح الثقة بالحكومة، رغم الاقتناع بأنّ مثل هذا الأمر محكوم بتجديد الثقة بها في ضوء التوازنات في البرلمان واستمرار الغطاء الاقليمي والدولي الوازن لها.
على أن المخاوف لم تهدأ من احتمالات تحريكٍ سياسي ممنهج للشارع في الفترة المقبلة تحت العناوين المعيشية المحقة، وسط توقف دوائر متابعة عند إعلان نائب حزب الله حسين الحاج حسن، أن الحكومة ستكون أمام جلسة محاسبة في مجلس النواب على خلفية ملفات الاقتصاد والنفط والتعليم والسياسات الداخلية، محذراً: «اتقوا غضب الحليم إذا غضب».
قتيلان بإشكال كبير في برج أبي حيدر – أحدهما مسؤول «تيار المستقبل» في المنطقة
قُتل مسؤول «تيار المستقبل» في برج أبي حيدر (بيروت) أبو جمال سعدو، ومواطن آخَر من آل المصري في إشكال كبير وقع في المنطقة على خلفية خلاف مزمن بين عائلتين.
وأدى مقتل سعدو وإصابة نجله بجروح خطرة إلى حال من التوتر الكبير في برج ابي حيدر، وسط دعوة تيار «المستقبل» «جميع أبناء المنطقة وأهلنا في بيروت إلى ضبط النفس والتحلّي بأعلى درجات المسؤولية والحكمة، وعدم الانجرار إلى أي ردود فعل من شأنها زيادة التوتر وتهديد أمن أهلنا واستقرار مدينتنا».
وأعلنت قيادة الجيش اللبناني «أن إشكالاً وقع في منطقة برج أبي حيدر – بيروت نتيجة خلافات سابقة، تَخلّله إطلاق نار أدى إلى مقتل مواطنَين وإصابة مواطن آخر بجروح خطيرة. وعلى الفور، حضرت وحدة من الجيش إلى المكان وعملت على تطويق الإشكال، وأوقفت اثنَين من مطلقي النار. وتجري المتابعة لتوقيف بقية المتورطين».
