بلومبرغ – في عالم البنوك المركزية، ربما لم يكن التدقيق في هوامش الأرباح الناتجة عن تكرير النفط الخام يُعد أمراً بالغ الأهمية عند اتخاذ قرارات أسعار الفائدة، لكن ذلك كان قبل أن تبدأ أسواق الطاقة مجدداً في إطلاق إشارات قوية على الاضطراب.
وفي حين قفزت العقود الآجلة لخام برنت فوق 100 دولار للبرميل هذا الأسبوع، تدق أجراس إنذار أعلى بشأن أسعار أنواع الوقود المستخدمة في تدفئة المنازل وتشغيل المصانع وإبقاء الشاحنات تتحرك في أنحاء العالم. وتتعرّض هذه الأسعار لضغوط أكبر حتى من أسعار النفط الرئيسية، ما يهدّد بإحداث تأثير أوسع نطاقاً في الاقتصاد.
وخلال معظم فترة حرب إيران، استطاع محافظو البنوك المركزية تجاهل صدمة إمدادات الطاقة الناجمة عن الصراع، بعدما جرى تجنب أسوأ السيناريوهات. لكن مع ارتفاع النفط مجدداً، تصعد أسعار الديزل والغاز الطبيعي بوتيرة أسرع، في ظل عدم ظهور مؤشرات تُذكر على قُرب التوصل إلى حل للحرب في إيران.
وتجاوزت العقود الآجلة للديزل في بعض أنحاء العالم 200 دولار للبرميل، ومع إضافة الضرائب يدفع بعض المستهلكين أكثر من 300 دولار. كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر 2022، وهو العام الذي شهد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، في وقت لاتزال فيه المخزونات منخفضة قبل حلول الطقس الأكثر برودة، كما سجلت أسعار الديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسياً.
ولايزال الوضع بعيداً عن سيناريوهات الكارثة التي طُرحت عندما بدأ الصراع الإيراني في نهاية فبراير. وكانت الصين أحد المحركات الرئيسية لموجة الصعود خلال الأسابيع القليلة الماضية، ويبقى أن نرى ما إذا كانت مصافي الدولة الآسيوية ستواصل نشاطها بهذا المستوى في ظل التكاليف المرتفعة.
لكن المسار العام واضح يقول متعاملون ومنتجون إن العالم يحتاج إلى النفط مع اقتراب فصل الشتاء، في حين لاتزال طاقة التكرير محدودة، ما سيواصل الضغط على تكاليف الوقود. وأدت الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية إلى انخفاض صادرات البلاد من الديزل إلى مستوى قياسي، بينما لاتزال منشآت التكرير في الشرق الأوسط تتعافى من الهجمات التي تعرضت لها في المراحل الأولى من حرب إيران.
ولاتزال هناك فجوة بين التدفقات الحالية عبر مضيق هرمز ومستوياتها قبل الحرب، كما بدأت الوسائل التي لجأت إليها أسواق الطاقة لتعويض اضطراب الإمدادات تنفد، إذ تتباطأ عمليات السحب من الاحتياطيات الإستراتيجية، في وقت تزيد الصين مشترياتها من النفط وتتراجع المخزونات تدريجياً.
وترسل سوق النفط إشارات على اضطرابات حادة. فقد تتجاوز تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لمدة يوم واحد مليون دولار، بينما تُدفع علاوات ضخمة لتأمين الإمدادات الفورية. كما تقفز عقود المشتقات التي تتحرك عادة ببضعة سنتات في كل مرة إلى مستويات قياسية، مسجلة مكاسب بعدة دولارات خلال جلسات تداول منفردة.
وأحجمت الحكومات والشركات عن الشراء خلال الصيف، لكن بنوكاً كبرى وشركات استشارية قالت إن حجم الغاز الذي تحتاج المنطقة إلى شرائه قد يدفع الأسعار مجدداً إلى أكثر من 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة، أي أعلى نحو 25 % من المستويات الحالية.
وفي أسواق الخام، بلغ المؤشر الرئيسي العالمي لأسعار البراميل الفعلية 120 دولاراً للمرة الأولى منذ يونيو. ويشير ذلك إلى أن المصافي تدفع أسعاراً مرتفعة لمعالجة أي براميل تستطيع الحصول عليها، في وقت تظل فيه أرباح إنتاج الوقود، لاسيما الديزل، عند مستويات مرتفعة تاريخياً.
وبالفعل، تتصاعد التحذيرات المتعلقة بالديزل على وجه الخصوص. فقد أدت الضربات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية إلى خفض أحد أكبر مصادر صادرات الديزل في العالم إلى مستويات ضئيلة للغاية.
