الذكاء الاصطناعي يضع علماء الرياضيات أمام «أزمة وجودية»


أحدثت «أوبن إيه آي» ضجة كبيرة في عالم الرياضيات بعد أن نجح برنامجها للذكاء الاصطناعي في حل معضلة رياضية كبرى ظلت عصية على الحل طوال قرن، في إنجاز مدوّ يطرح تساؤلات حول دور علماء الرياضيات في البحث العلمي.

وقد وصف تيرينس تاو، الحائز ميدالية «فيلدز» التي تعادل جائزة نوبل في الرياضيات عام 2006، وإحدى أكثر الشخصيات تأثيرا في هذا المجال، حالته لوكالة فرانس برس قائلا: «لقد أصبتُ باضطراب شديد جراء أزمة وجودية في مجالي».

ففي غضون أقل من أربعة أيام، في مطلع سبتمبر، نجح نظام ذكاء اصطناعي متطور من شركة «أوبن إيه آي» في حل معادلة «نافييه-ستوكس» (Navier-Stokes) التي وُضعت صيغتها النهائية عام 1845، وهي معضلة تصدى لها أجيال من علماء الرياضيات.

ومنذ بداية العام، نجحت كبرى أنظمة الذكاء الاصطناعي في دحض العديد من النظريات الرياضية الشهيرة، إلا أن هذا الإنجاز يُعد بمثابة «زلزال» في هذا المجال.

ويرى الأستاذ في جامعة كورنيل ستيفن ستروغاتز أنه «إذا اختارت هذه الأنظمة دراسة المسائل التي تهمنا في أبحاثنا، فقد تتمكن من حل تلك المسائل بسهولة».

ويستذكر أستاذ الرياضيات في جامعة نورث وسترن أنطونيو أوفينغر أنه قبل عام واحد فقط، كانت هناك «هلوسات مستمرة» في عمليات الاستدلال التي تقوم بها نماذج الذكاء الاصطناعي، حتى الأكثر تطورا منها.

يضيف «اليوم، بات بإمكان الذكاء الاصطناعي صوغ سلاسل طويلة من الحجج المنطقية» من دون الخروج عن المسار الصحيح أو إطلاق نظريات تعكس ما يشبه الهذيان.

ورغم أن الباحثين يعتمدون على هذه التكنولوجيا منذ فترة طويلة، إلا أن نهج «أوبن إيه آي» يختلف في كونه يمنح الذكاء الاصطناعي زمام المبادرة والتحكم الكامل في العملية.

وفي يناير، توقع إيلون ماسك أن يكتسح الذكاء الاصطناعي مجال الرياضيات ويُحدث فيه تغييرا جذريا في غضون عام واحد.

وقد أكد ماسك، وهو رئيس شركة «إكس إيه آي» (التي أصبحت تُعرف لاحقا باسم سبايس إكس إيه آي)، أن «الرياضيات ستصبح أمرا عاديا للغاية بالنسبة للذكاء الاصطناعي».

ورغم شعوره بـ «الصدمة والذهول»، يشدد أستاذ الرياضيات في جامعة نورث وسترن بنجامين أنتيوه على أن نظام الذكاء الاصطناعي التابع لشركة «أوبن آيه آي» لم يبدأ من الصفر، بل «سار على خطى علماء رياضيات آخرين كانوا يطورون هذا النهج لحل المشكلة منذ سنوات».

ويُقصد هنا بشكل أساسي باحثان إسبانيان ألهما أيضا، هما تريستان باكماستر وليفينت ألبوجي. ويؤكد الأخيران أنهما كانا على وشك التوصل إلى الحل قبل شركة «أوبن إيه آي»، ويتساءلان عما إذا كان عملهما قد تعرض للسرقة الفكرية، وهو ما تنفيه الشركة الناشئة التي تتخذ من كاليفورنيا مقرا لها.

إبداع بشري

يرى الأستاذ في جامعة ستانفورد محمد أبو زيد أن «هذا الأمر يوسع نطاق ما يمكننا إثباته، لكنه لا يزيد من مدى الأفكار التي يمكننا استكشافها».

ويضيف «لا نرى قفزة إبداعية من شأنها أن تضفي جديدا على علم الرياضيات».

في سياق متصل، نجحت الأستاذة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) أنيما أناندكومار، المتخصصة في مجال يجمع بين الرياضيات والذكاء الاصطناعي، مع فريقها في حل صيغة مبسطة لمعادلات «نافييه-ستوكس» (تُعرف باسم معادلات «أويلر»)، وذلك باستخدام نموذج للذكاء الاصطناعي لم يعتمد على أعمال سابقة.

لم يكن هذا النموذج مشابها لتلك الأنظمة التي تشغّل «تشات جي بي تي» أو «كلود»، بل كان نموذجا يُعرف بـ«PINN» («الشبكة العصبية المستنيرة بالفيزياء») ويدمج البيانات مع قوانين الفيزياء.

وتوضح «يمكن القول إن أوبن إيه آي اعتمدت على البشر أكثر مما فعلنا نحن».

مع ذلك، تشير الباحثة إلى أن الفريق اضطر لوضع «تصميم» من أجل «جعل النموذج يعمل»، مؤكدة أن «هذا يتطلب قدرا كبيرا من الإبداع» البشري.

وتضيف «في المستقبل، قد يكتسب الذكاء الاصطناعي مزيدا من الدقة والقدرة على استيعاب التفاصيل الدقيقة، لكن سيظل هناك مجال واسع من الاحتمالات المتاحة للبشر والتي لا يمكن للذكاء الاصطناعي الوصول إليها».

وقد حذر 25 من الحائزين ميدالية «فيلدز» (أرفع جائزة في الرياضيات) الجمعة من «تأثير مدمر» محتمل للذكاء الاصطناعي على الأبحاث الرياضية.

وعلى شبكة التواصل الاجتماعي «ماستودون» (Mastodon)، دعا تيرينس تاو إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لخدمة علماء الرياضيات، بدلا من محاولة استبدال أحدهما بالآخر.

وفيما يرى تاو أن الهدف هو الأمر الوحيد الذي يهم بالنسبة الى النموذج، كتب «لقد تحقق الهدف وحُلَّت المشكلة، لكن ما يغيب هو الدروس المستفادة، والآفاق الجديدة، وأشكال التعاون، وتحديد أهداف جديدة».

ويوضح أنطونيو أوفينغر أنه «حتى لو كان بإمكان الذكاء الاصطناعي الإجابة عن جميع الأسئلة، فسيظل لعلماء الرياضيات دور مهم؛ لأن المسألة لا تقتصر على معرفة كيفية الانتقال من النقطة (أ) إلى النقطة (ب)، بل تتعلق بطرح الأسئلة التي ستعود بالنفع على المجتمع بأسره».





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *