هل يجعل الذكاء الاصطناعي أدمغتنا أكثر كسلاً؟


في تحقيق مطوّل نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، تساءل الكاتبان ديلان فريدمان وخوليانا كاسترو فارون عما إذا كان الاعتماد المتزايد على روبوتات الدردشة في التفكير يجعل أدمغتنا أبطأ وأقل تفاعلاً. وتشير الأبحاث الحديثة، بحسب التحقيق، إلى أن الذكاء الاصطناعي يغير طريقة تعلم البشر وتذكرهم، خصوصاً الشباب، بطرق لا نفهمها بالكامل بعد.

واستند التحقيق إلى دراسة واسعة النطاق أجراها فريق من جامعة كاليفورنيا في إيرفين بالتعاون مع شركة «ماكغرو هيل» التعليمية، حيث حلل الباحثون عقداً كاملاً من البيانات من أداة تعلم إلكترونية شهيرة، شملت ملايين جلسات الرياضيات لمجموعة تتراوح من طلبة الصف الخامس إلى طلبة الجامعات. وقارن الباحثون الأداء قبل عام 2022، عندما ظهر «تشات جي بي تي» للمرة الأولى، مع العمل الذي تلاه.

وكشفت النتائج عن انخفاض كبير في وقت التعلم على المسائل القابلة للاستعانة بالذكاء الاصطناعي. فبين طلبة الجامعات، تراجع وقت التعلم بنسبة 2.8 في المئة لكل ربع سنوي بعد إطلاق «تشات جي بي تي»، ليتراكم إلى انخفاض بنسبة 26.9 في المئة على مدى أحد عشر ربعاً. أما طلاب المدارس الثانوية، فقد سجلوا انخفاضاً بنسبة 31.3 في المئة في وقت التعلم. ورغم أن الطلاب أكملوا المهام بشكل أسرع، إلا أن نتائج الاختبارات أظهرت تراجعاً في المهارات المكتسبة، ما يشير إلى أن السرعة جاءت على حساب التعلم العميق.

وفي سياق متصل، حذر تقرير صادر عن لجنة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) من ظاهرة أطلق عليها «الاستسلام المعرفي»، حيث يعتمد الطلاب بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي للحصول على إجابات بدلاً من المحاولة بأنفسهم، متجاوزين الممارسات التعليمية التقليدية مثل ساعات المكتب الدراسي والدراسة الجماعية. وقالت اللجنة في تقريرها الصادر في أغسطس الماضي إن الحصول على إجابات من روبوت الدردشة يمكن أن يخلق «وهم التعلم» لدى الطلاب الذين يلجأون إلى الذكاء الاصطناعي «عند أول إشارة للصعوبة».

وأظهرت دراسة منفصلة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، شملت 54 مشاركاً تتراوح أعمارهم بين 18 و39 عاماً، أن المشاركين الذين استخدموا «تشات جي بي تي» كمساعد كتابة سجلوا نشاطاً دماغياً أقل أثناء الكتابة مقارنة بمن كتبوا من دون مساعدة. وقالت ناتاليا كوسمينا، الباحثة المشاركة في الدراسة: «لم تُفعّل أساساً أي من شبكات الذاكرة التي كانت ستساعدك فعلاً على التذكر». ووجدت الدراسة أن من استخدموا الذكاء الاصطناعي كمساعد كتابة واجهوا صعوبة في تذكر ما كتبوه بعد دقائق فقط من إكمال مقالاتهم.

وتشمل الأبحاث والتقارير التي استند إليها التحقيق ما يأتي:

* دراسة جامعة كاليفورنيا وماكغرو هيل: تحليل ملايين جلسات الرياضيات على منصة «أليكس» التعليمية، وأظهرت انخفاضاً في وقت التعلم بنسبة 26.9 في المئة لطلاب الجامعات و31.3 في المئة لطلاب الثانوية، مع تراجع في نتائج الاختبارات.

* تقرير معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (أغسطس 2026): حذر من «الاستسلام المعرفي» بين الطلاب، مشيراً إلى أن اللجوء الفوري إلى الذكاء الاصطناعي عند أول صعوبة يخلق «وهم التعلم» ويعوق التعلم الفعلي.

* دراسة النشاط الدماغي (54 مشاركاً): أظهرت أن مستخدمي «تشات جي بي تي» كمساعد كتابة سجلوا نشاطاً دماغياً أقل، ولم يُفعّلوا شبكات الذاكرة المرتبطة بالتعلم، مما أدى إلى صعوبة تذكر ما كتبوه.

وطرح التحقيق سؤالاً جوهرياً: هل يقودنا الذكاء الاصطناعي إلى جيل يفقد القدرة على التفكير النقدي والاحتفاظ بالمعرفة؟ الإجابة، بحسب الباحثين، لا تزال غير محسومة، لكن الأدلة المتزايدة تشير إلى أن الاستخدام غير المقيد للذكاء الاصطناعي في التعليم قد تكون له تكاليف معرفية باهظة على المدى الطويل، وهي تكاليف لا تظهر في سرعة إنجاز المهام، بل في جودة الفهم وعمق المعرفة التي يحتفظ بها الطلاب.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *