– جعجع: لتستمرّ التحقيقات حتى تفكيك سلسلة القيادة بكاملها ولو استدعى الأمر أن تشمل الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم
لم تَخرج بيروت من تحت تأثير الغيمة الداكنة التي دهمتْها منذ تَكَشُّف ضبْط نصف طن المتفجرات من «Tnt» و«c4» ومعها كميات كبيرة من المسامير والكرات المعدنية كان يَنقلها عنصران من «حزب الله» أحدهما نجل مسؤولٍ فيه من البقاع إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، لتتشابك هذه الواقعة الأمنية الفائقة الخطورة مع وقوف البلاد على كفّ حربٍ جديدة محتمَلة في ضوء الحائط المسدود الذي مازال يَصطدم به ملف سحْب سلاح الحزب ودخول المنطقة مرحلةً بالغة الحساسية في ظلّ التشظياتِ المتدحرجة لجبهة إيران ولا سيما عبر الحوثيين واعتداءاتها السافرة على المملكة العربية السعودية.
وفي الوقت الذي كان لبنان مأخوذاً بالمَخاطر العسكرية التي تترتّب على تَمَسُّكِ «حزب الله» بترسانته ورفْضه التخلّي عنها وإصراره على إبقاء «بلاد الأرز» في «مركب واحد» مع إيران، إذ بالبُعد الأمني لملف السلاح ووضعية الحزب خارج الدولة يطلّ برأسه، بما يُنْذِر بوضع البلاد بين «فكّي كماشة» خطريْن متوازييْن، أوّلهما موصول بالرغبة في حفْظ «وزن» طهران في «حرب البقاء» التي تخوضها، والثاني باستباق إسقاطاتِ التحوّلات الكبيرة في المنطقة على الواقع اللبناني وضرب المعادلة الداخلية عبر شطْب القادة الذي يشكلون رافعة لـ«التوازنات الجديدة» وجعْل «وهج» الاغتيالات يفعل فعْله الترهيبي على آخَرين.
وهكذا قرأتْ أوساطٌ مطلعة، وهي على خصومة مع حزب الله، المعاني المتعددة البُعد لشحنة المتفجرات التي ضبطتها القوى الأمنية مطلع الأسبوع الطالع و«أخواتها»، قبلها وبعدها، والتي تقاطعتْ المعطياتُ وخصوصاً مصادرة مسامير وكرات معدنية معها عند أنها ذات وظيفة أمنية تتصل باغتيالات، فيما أَبْعَدَت عنها جغرافية انطلاقها ونقطة التسليم التي كانت مفترَضة دوراً مرتبطاً بالجبهة مع إسرائيل.
وعبّرتْ هذه الأوساط عن خشيةٍ كبيرةٍ من عودة شبح الاغتيالات إلى المشهد السياسي الذي عَرَفَ منذ 1 أكتوبر 2004 وحتى ديسمبر 2013 ما لا يقلّ عن 15 عملية اغتيال ومحاولة اغتيال لرموز وقادة من القوى المناهضة لنظام الأسد (البائد) – أبرزهم الرئيس رفيق الحريري – ولحزب الله، معتبرة أن وضع الحزب في قفص الاتهام بها، أو الشراكة فيها، بات له سنَد قضائي منذ أن أصدرتْ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في 2020 و 2022 الأحكامَ بحق 3 من الحزب في جريمة 13 فبراير 2005 (اغتيال الحريري).
وترى الأوساط نفسها أنه رغم ضبْط الشحنة وتالياً إحباط أي مخطط يُرجح أنه مرتبط بها، فإنّ عاملَ الاغتيالات بات حاضراً في المسرح السياسي، ولو من دون أن يبدّل في المسار الضاغط لسحْب سلاح «حزب الله» والذي تتكاتف فيه مجموعةٌ تشكّل غالبية القوى السياسية مع حكومة الرئيس نواف سلام ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وكلهم يوفّرون رافعةً لهذا الملف ولمسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعايةٍ أميركية والذي أثمر «الاتفاق الإطار» الثلاثي الذي يرفضه الحزب بشدّة بالتوازي مع معاندته تنفيذ قرارت حصر السلاح بيد الدولة واعتبار جناحه العسكري خارجاً عن القانون.
وفي تقدير هذه الأوساط أنه كلما اقتربتْ جبهة إيران من الحسم، في اتجاه تسوية أو انفجار أخير، ترتفع المَخاوف من محاولةِ تهشيمِ التوازن الداخلي الحالي والمرشّح لمزيدٍ من التحوّل على حساب النفوذ المتآكل أساساً لحزب الله في ضوء نتائج حربيْ 2024 و 2026، معتبرةً أن تهميشَ القوى المناهِضة له «من رأسها» قد يتحوّل ورقةً تُلعب لتقويض مرحلةِ ما بعد سكوت المدافع في الإقليم وتعويض الخسائر التي مُني بها و«تأخير» تقدّم خصومه داخلياً عبر إرباك هيكلها القيادي وتشتيت قواها.
وعَكَسَ ردّ فعل خصوم «حزب الله» على قضية النصف طن من المتفجرات ومساميرها وكراتها المعدنية حجمَ التهيُّب من انزلاق الواقع اللبناني بـ «كبسةٍ» على «زر اغتيال» إلى مرحلة من الفوضى، قد تكون ايضاً من باب استدراج عروض خارجية عبر تكرار لعبة «مقايضاتٍ» بين الأمن والسيادة، وسط اعتقاد الأوساط المطلعة بأنّ السلطة اللبنانية برمّتها تقف أمام امتحانٍ شديد الدقة لهيبتها وقدرتها على المضي في التحقيقات حتى النهاية وكشف كل ملابسات هذه القضية وأهدافها ومحاسبة المسؤولين عنها جميعاً، وصولاً لاعتبار أن ما جرى «يفترض أن يُعْلي أولويةَ حصر السلاح قبل فوات الأوان».
وفيما كشفت معلومات في بيروت أن الشحنة التي تولّى القيادي في حزب الله «ساجد» تسليمها، على أن تُنقل إلى الضاحية الجنوبية وتُسلّم إلى «ذو الفقار» قبل أن تُضبط على حاجز ضهر البيدر، أورد موقع MTV «أنّ كميّة المتفجرات التي عُثر عليها مع عنصرَي حزب الله تبلغ نحو 780 كيلوغراماً من المواد المتفجرة الموزعة كالآتي: 216 كيلوغراماً من الـ سي 4 و 281 كيلوغراماً من الـ Tetryl وهي مادة كيميائية شديدة الانفجار، والكميّة الباقية عبارة عن مسامير وعبوات صغيرة هدفها إلحاق خسائر كبيرة في الأرواح، ويعني ذلك أنّ هذه الكميّة كانت ستحدث، عند انفجارها، ضرراً كبيراً».
وعلى وقع تَوَسُّع القضاء العسكري في هذا الملف، ارتفعت الأصوات المطالبة أن بأن «تستمرّ التحقيقات حتى تفكيك سلسلة القيادة بكاملها، ولو استدعى الأمر أن تشمل الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم»، كما قال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي وصف الحادثة بأنها «الأخطر منذ سنوات».
وفي حديث إلى صحيفة «لوريان لوجور»، أشار جعجع إلى «أن هذه الحادثة تستدعي اتخاذ الدولة موقفاً حازماً لاستكمال مسار حصْر السلاح بيدها»، وقال «إنها الحادثة الأخطر منذ سنوات، ولا سيما أن بين المواد المتفجرة المضبوطة مادة الـC4 التي تُستخدم عادةً في عمليات الاغتيال».
وأضاف: «هناك مؤشر آخر يجب أخذه في الاعتبار، وهو أن الشحنة كانت متجهة من البقاع إلى بيروت. فلو كان الهدف فعلاً استخدام هذه الأسلحة ضد إسرائيل، لكان بإمكان السيارة سلوك طريق آخر للوصول إلى جنوب لبنان. هذه المعطيات كلها تدفعني إلى القول إن هذه الأسلحة كانت على الأرجح معدّة للاستخدام داخل لبنان».
وحذّر «أعلنت المؤسسة العسكرية، قبل نحو أسبوعين، ضبط 250 كيلوغراماً من المتفجرات. وبالتالي، إذا أُقفل ملف ضهر البيدر عند توقيف شخصين فقط، فستكون فضيحة حقيقية. وهذه المرة لن نقبل بأن تنتهي القضية بتوقيف شخصين من صغار المتورطين».
وكتب رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميل على «اكس»: «في الـ 2005 لم يتم توقيف شاحنة المتفجرات وكانت النتيجة اغتيال دولة الرئيس رفيق الحريري. لن نسأل عن وجهة استعمال متفجرات ينقلها عناصر حزب الله، فالأرجح موجة اغتيالات كما بين 2004 و 2008. إن تأجيل تنفيذ القرارات وتطبيق القانون هو الذي يشكل خطرا على السلم الأهلي. على الدولة المباشرة فوراً بتفكيك بنية حزب الله العسكرية والأمنية قبل أن ندفع جميعنا ثمن الإرهاب مجدداً».
كما اعتبر النائب اللواء أشرف ريفي أنه «إذا تأكدَت، كما أُعلِن، إفادات الموقوفين في شأن انتمائهما إلى حزب الله، فإننا نكون أمام قضية أمنية خطيرة تستوجب كشف كامل الشبكة التي تقف وراء هذه الشحنة، من مصادرها إلى الجهات التي أمرت بنقلها والغاية من إيصالها إلى الضاحية الجنوبية، وملاحقة جميع المتورطين، من المنفّذين إلى القيادات التي يَثبت التحقيق ضلوعها». وقال: «إن خطورة هذه القضية تتضاعف أمام سجل لبنان المثقَل بجرائم الاغتيال التي استُخدمَت فيها متفجرات»، داعياً إلى «اجتثاث البنية العسكرية والأمنية الموازية للدولة التي أنشأها«حزب الله»، وإنهاء وجوده المسلح الخارج عن الشرعية، وحظر نشاطه المسلح والتنظيمي غير القانوني، وملاحقة كل من يثبت تورطه في جرائم أو مخططات إرهابية، وصولاً إلى محاكمة كل القيادات والعناصر التي تثبت مسؤوليتها أمام القضاء المختص».
لبنان: نتضامن مع السعودية ونقف بجانبها في ما تراه مناسباً من إجراءات للدفاع عن نفسها
– دان اعتداءات الحوثي وتهديداته
اعتبر رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام «أن التهديدات المتجددة الأحد من قبل جماعة الحوثي باستهداف المطارات والأجواء السعودية، بعد اعتدائها على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، الذي دانه لبنان بأشدّ العبارات، تكشف عن إصرارها على مواصلة تهديد أمن المملكة العربية السعودية الشقيقة، الأمر الذي يشكّل زعزعةً لأمن المنطقة بأسرها واستقرارها».
وقال سلام عبر منصة «اكس»: «كلّ التضامن مع شعب المملكة العربية السعودية الشقيق وقيادتها، وأحرّ التعازي لعائلات الضحايا الأبرياء الذين سقطوا، والتي أشاركها حزنها وألمها. كما أتمنى للمصابين الشفاء العاجل».
وأضاف: «أجدد تضامن لبنان الكامل مع المملكة العربية السعودية، ووقوفه إلى جانبها في كل ما تراه مناسباً من إجراءات للدفاع عن نفسها وحماية شعبها وأمنها وسيادتها».
وكان الرئيس اللبناني جوزاف عون، دان السبت، «اعتداءات جماعة الحوثي ضد السعودية»، مشيراً إلى أن تلك الاعتداءات تشكّل تهديداً لأمن المنطقة واستقرارها.
وقالت الرئاسة اللبنانية في بيان، إن عون «جدّد إدانته الاعتداءات التي تستهدف السعودية الشقيقة ومرافقها الجوية ومنشآتها الحيوية وفي مقدمتها مطار الملك خالد الدولي».
وأعرب عون عن تضامن بلاده الكامل، مع السعودية «قيادة وشعباً»، مؤكداً «وقوف لبنان إلى جانبها في مواجهة كل ما من شأنه المساس بأمنها وسيادتها وسلامة أراضيها ومنشآتها الحيوية».
وأضاف أن «أمن المملكة هو جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة واستقرارها، واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها والابتعاد عن استهداف المنشآت المدنية والحيوية، يشكّلان ركيزة أساسية لصون الاستقرار الإقليمي».
كما دانت الخارجيّة اللبنانية بأشدّ العبارات «الاعتداء الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض يوم السبت، وأدّى إلى مقتل اثنيْ عشر مدنيّاً وجرح أكثر من 300 آخرين».
وعاودت الوزارة «تأكيد أنّ استهداف المنشآت الحيويّة والمدنيّين، يشكّل انتهاكاً سافراً لمبادئ القانون الدولي وقواعد القانون الدولي الإنساني»، مجددة «رفضها القاطع للتعرّض لسيادة وأمن وسلامة المملكة العربيّة السعوديّة، وتعبيرها عن تضامنها الكامل مع المملكة وشعبها، ووقوفها إلى جانبها في مواجهة أيّ اعتداء يطال أمنها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها».
