
يحتاج التعديل الذي نشرته الجريدة الرسمية (الكويت اليوم)، أخيراً، بشأن تعديلات قانون المناقصات العامة إلى قراءة، لبيان الأوجه الإيجابية والسلبية ذات الصِّلة، التي لا تقتصر على تنفيذ المشاريع وعمليات الشراء فقط، بل تشمل مدى وجود فلسفة في التعديلات من شأنها تحقيق عددٍ من المنافع الاقتصادية بصورةٍ أوسع.
ومع تأكيد أن القانون رقم 49 لسنة 2016 لم يكن مثالياً، بل شابته أوجه عديدة من التناقض والقصور من النواحي الإجرائية والاقتصادية، فإن التعديلات الأخيرة عليه مثَّلت في مجموعة منها تصورات أو ملامح إيجابية، لكن بعضها غير مكتمل، فضلاً عن أنها في مجملها لا تُفضي إلى إصلاح جوهري لبيئة الأعمال.
وحتى نلمس أهمية المناقصات العامة، من المهم الاطلاع على البيانات الرسمية المعلنة، التي تبيّن أنه خلال النصف الأول من هذا العام فقط أُرسيت 154 مناقصة وممارسة قيمتها 1.07 مليار دينار.
تصنيف وفصل
وفي التفاصيل، نجد أن من التعديلات الإيجابية، مثلاً، إعادة تقييم تصنيف للشركات بصفة دورية وفقاً لأُسس ومعايير لجنة خاصة، بما يجعلها تحرص بشكل متواصل على رفع كفاءتها، لتلبية متطلبات الجهاز المركزي للمناقصات، فضلا عن فصل عمليات التصميم عن الأعمال الإنشائية، مما يعزز الحوكمة في تنفيذ المشاريع.
تقييد الشركات الأجنبية يضر بالمنافسة والأسعار والجودة
الوكيل المحلي
في حين يمكن اعتبار مسألة حظر استخدام الوكيل المحلي أو الوكيل بالعمولة في كل إجراءات التعاقد من الأمور الإيجابية، ولكن غير المكتملة، لكون القانون الذي يحظر «الوكيل المحلي» لا يزال يُلزم الشركات الأجنبية بترسية نحو 30 بالمئة من أعمال المقاولة على مقاولين محليين، وكذلك يُلزمهم بشراء نحو 30 بالمئة من المنتجات المدرجة بالدليل الصناعي، مما يشكِّل عائقاً أو عبئاً على الشركات الأجنبية، يترتب عليه أضرار كبيرة على صعيد المنافسة والأسعار والجودة، أو يقلل من هدف دخولها المرتبط بتوافر الخبرات والتكنولوجيا، وربما يدفعها إلى بيع المناقصات بالباطن… وكان الأفضل أن يترك للشركات الأجنبية حرية التعامل مع السوق المحلي من دون إلزام بنِسَب أعمال وشراء محددة.
حرية الأجنبي
ولعله من المهم القول إن حظر «الوكيل المحلي» من الناحية الاقتصادية والتجارية إيجابي، شرط أن يكون مكتملاً من حيث إتاحة حرية العمل للشركات الأجنبية، إذ قد يدفع حينها الوكلاء المحليين إلى تطوير نموذج أعمالهم بشراكات جديدة تجمع الشركات الأجنبية بالمحلية، بما يعزز رأس المال الأجنبي، ويوفر على المالية العامة عمولات غير مبررة وربما – لو وجدت محفزات – يدفعها إلى الإدراج في البورصة، لتتحوَّل المكاسب التي تأخذ صبغة عائلية إلى منافع لشرائح مالية واقتصادية أوسع.
وكان الأجدر، في هذا السياق، إذا كان إلزام الشركات الأجنبية باشتراطات محلية ضروريا أن يكون الإلزام لمصلحة رفع نسبة توظيف شريحة من العمالة الوطنية في مشاريع المناقصات العامة أو إنفاق الشركات الأجنبية على مشاريع أبحاث أو خدمات، وليس ترسية عقود على مقاولين بشكل يفقد دخول الشركات الأجنبية بشكل مباشر الكثير من حريته واستقلاليته.
يُفترض في أولويات أي مشروع أن تتضمن توفير فرص عمل وإيرادات غير نفطية مع تنمية وتنويع الناتج المحلي
تعاقد وبيروقراطية
كذلك من الأمور الإيجابية غير المكتملة، ما تمثّل في رفع قيمة تعاقد الجهات الحكومية المباشر من 75 ألفا إلى مليون دينار، ورفع الحد نفسه بعقود مؤسسة البترول الكويتية من 5 إلى 20 مليونا، وهو أمر إيجابي من زاوية خفض درجة البيروقراطية وتسريع الأعمال وبتّ الاحتياجات، لكن هذه الإيجابية يكبحها غياب الشفافية عن تقارير ديوان المحاسبة، التي تتنامى ضرورة نشرها مع التوسع في صلاحية المصروفات بالجهات الحكومية.
الأوامر التغييرية
وعمَّا غاب عن تعديلات قانون المناقصات، فهو مسألة وضع قيود تُقلل مما يُعرف بـ «الأوامر التغييرية»، التي تشكِّل كُلفة مالية من ناحية، وعبئاً زمنياً من ناحية أخرى.
وقد تبيَّن خلال العام الحالي أن شركة نفط الكويت، مثلاً، قد طلبت أوامر تغييرية بقيمة تجاوزت 52 مليون دينار لمجموعة من مشاريعها، فيما طلبت وزارة الأشغال أوامر تغييرية لعقود الطرق بقيمة 73 مليوناً.
وفي كل الأحوال، من المهم أن ترتبط مسألة الأوامر التغييرية بمعايير فنية ومالية، وأيضاً إدارية، خصوصا إذا كانت الجهة نفسها بالمسؤولين أنفسهم قد أبرموا العقود، ثم «اكتشفوا» ضرورة إجراء أوامر تغييرية مُكلفة، مالياً، وزمنياً.
المشروعات الصغيرة
وبالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، فالقانون لا يحمل توجهاً واضحاً في تشجيع أعمالها؛ فبينما دعمها في مسألة ضرورة ترسية 10 بالمئة من الأعمال الخاصة بالشركات الأجنبية، وهو إيجابي لهذه النوعية من الأعمال، فإنه في المقابل خفَّض هامش أفضلية الترسية على المشروعات الصغيرة والمتوسطة من 20 بالمئة سابقاً إلى 10 بالمئة من أقل العطاءات المقبولة، وهو ما يقلل من حجم منافستها مع الشركات الأكبر حجماً، ويُقوِّض فرض تنمية مشاريعها.
تصنيف الشركات بصفة دورية وفصل التصميم عن الأعمال الإنشائية يعززان الكفاءة والحوكمة
العمق والفلسفة
الغائب الأكبر عن تعديلات قانون المناقصات هو الفلسفة الاقتصادية، الأعمق من تنفيذ المقاولات أو تحديد قواعد عمليات الشراء، وهو الأمر المتعلق بكيفية أن تتحول المشاريع إلى قنوات تخدم احتياجات الاقتصاد، بحيث تتركز أعمال المناقصات العامة في مشاريع خدمية صرفة، لا عائد اقتصادي أو مالي لها، كبناء الطرق أو المنشآت الحكومية، كالوزارات، والمدارس، والمستشفيات، في حين تطرح مشاريع المطارات والموانئ والمدن الصناعية والخدمية ومحطات التكرير لشركات، إما من خلال نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإما عبر بوابة الاستثمار الأجنبي، بحيث توفر للاقتصاد فرص عمل وإيرادات غير نفطية، وتسهم في تنمية الناتج المحلي الإجمالي وتنويعه.
لا شك في أن تعديلات قانون المناقصات فيها من الإيجابية التي تحتاج إلى تطوير دعم، مثلما فيها من أوجه القصور التي تتطلَّب الاستكمال أو التقزيم، أو إزالة التوجهات المتعاكسة، لكن الأهم على الإطلاق أن ترتبط فلسفة تعديلات القانون، إلى جانب أي قانون اقتصادي آخر، بمدى قيامه بإصلاح وتطوير الاختلالات الاقتصادية في البلاد، ورفع كفاءة الأعمال، كي لا تُنفق مليارات الدنانير على أعمال مقاولات وبناء وشراء، آثارها على البنية الاقتصادية محدودة.
