لأن لبنان لا ينقصه فتيلٌ جديد موصول بـ «برميل البارود» على جبهتيْ إسرائيل والداخل، تَفادت الحكومةُ اليوم الخميس، أن ينفجر ملف شحنة متفجرات «حزب الله» بين يديْها وفي الاستقرار الهشّ الذي تقف البلاد على حافته، فتركتْ القضية في عهدة القضاء العسكري ومساره الذي «لا سقف فيه إلا القانون» على صعيد المحاسبة الكاملة وتوقيف كل المتورطين «في حيازة ونقْل أي سلاح خارج عن الشرعية» (وفق كلام الرئيس نواف سلام قبل ايام)، على أن يصار بعد اتضاح الصورة كاملةً على صعيد التحقيقات إلى اتخاذ قرار في شأن الإحالة على المجلس العدلي.
وبتفادي الحكومة في جلستها رفْض مبدأ الإحالة على «العدلي» وترْكِها رهن التوقيت الملائم، تكون أحْدثت «ربْطَ نزاعٍ» مع الارتقاء بهذا الملف الشديد الحساسية، المتّصل مباشرة بسلاح «حزب الله» الذي بات مصنَّفاً خارجاً عن القانون، إلى أعلى هيئة قضائية جزائية وتصنيفه من الجرائم التي تمسّ أمن الدولة الداخلي أو الخارجي، ولكن من دون أن تَضغط على زرِّ حَرْقِ «خطّ الرجعة» مع الحزب ليس انصياعاً لتهديداته ضدّ سلام ورئيس الجمهورية العماد جوازف عون بل رغبةً في الإبقاء على هذه القضية على سكّتها القضائية وعدم إتاحةِ الفرصةِ لإغراقها في وُحولِ مواجهةٍ سيَحجب غبارُها الوقائعَ المحيطة بالشحنة وأهدافها والتي تم تثبيتُ الملاحقة والمساءلة فيها وإبقاء الخيارات مفتوحة حيال «منصة» المحاسبة.
وبدا التريّثُ الحكومي الذي جاء بعد اتصالاتٍ مكثفة استمرت طوال ليل الأربعاء ونهاراً الخميس، وكأنه راعى، بطريقة أو أخرى، في جانب منه وضعيةَ رئيس البرلمان نبيه بري داخل البيئة الشيعية وتَمَوْضعه الذي بدأ يبتعد فيه على طريقة الخطوة خطوة عن «حزب الله»، هو الذي أعلن أن العلاقة مع الحزب «كانت أقرب في أيام القيادة السابقة والسيد حسن نصر الله»، وصولاً لنأيه بنفسه عن تشكيل «خط دفاعٍ» عنه سواء في جلسات مناقشة الحكومة قبل أسابيع أو بعدها، في مقابل رسمه خطاً أحمر حول الجيش اللبناني «فنحن معه» في معرض محاكاة المخاوف من احتمال حصول صدام في حال اتخاذ قرار بتنفيذ المهمات المطلوبة منه في الجنوب.
وقبيل انعقاد مجلس الوزراء في القصر الجمهوري، طلب وزير العدل عادل نصار إحالة «قضية المتفجّرات المضبوطة في ضهر البيدر ومنطقة القصر في بعلبك الهرمل، وكل ما يَكشف التحقيق عن ارتباطه المباشر أو غير المباشر بهذه المواد» على المجلس العدلي، أطلق بري إشاراتٍ إلى عدم تحبيذه إحالة الملف خلال الجلسة الحكومية، معلناً «ان لبنان في هذه المرحلة، في أمسّ الحاجة إلى الوحدة بين اللبنانيّين فهي خشبة الخلاص له خصوصاً في هذه الظروف»، و«بلدنا لا يحتمل الآن إثارة أي موضوع أو ملف مهما كان نوعه، من شأنه أن يثير الالتباسات ويعكّر الداخل بتشنّجات، فوضع البلد دقيق، يستوجب قدراً كبيراً من الوعي والدراية، والشراكة الأكيدة بين كل المكوّنات الداخلية في الاتجاه الذي يحفظ البلد، ويرسخ الحدّ الأعلى من الأمن والاستقرار والهدوء».
«المانيفست» السياسي
ولم يكن عابراً في مستهل جلسة مجلس الوزراء، التي انسحب منها وزراء «القوات اللبنانية» اعتراضاً على عدم الإحالة على المجلس العدلي، أن يطلق عون موقفاً أثنى فيه على مواقف بري وغمز من قناة أي توريط للبنان في حرب جديدة، قبل أن يعلن الرئيس سلام ما يشبه «المانيفست» السياسي الذي كرّس فيه خيارات الدولة وقراراتها الحاسمة في ما خص سحب سلاح «حزب الله» وقضية المتفجّرات باعتبارها «ثوابت لم تعد تقبل النقاش»، الأمر الذي اعتُبر إشارةً إلى أن ملف الإحالة على المجلس العدلي في ذاته ليس الحاكِم لمسألةِ ترسانة الحزب ولا لشحنة الـ «سي فور وأخواته» بحيث إن قطارَ حصر السلاح ومحاسبة كل المسؤولين عن تخزين ومحاولة نقل مئات المتفجرات من البقاع الى الضاحية الجنوبية انطلق ولن يتوقف، وهو ما يُحاكي العين الخارجية اللصيقة على لبنان وكيفية تعاطيه مع هذين العنوانيْن الساخنيْن.
وقد أشاد الرئيس عون «بالأجهزة الأمنية وما تقوم به من جهود لضبط الأمن في مختلف المناطق وعلى كل الأصعدة لاسيما مكافحة الإرهاب والمخدرات، تهريب الأسلحة، مكافحة الجرائم…، وذلك على الرغم من الدور الاقتصادي الضاغط»، وقال: «لا يسعنا إلا أن نقف الى جانب الأجهزة الأمنية فهي العمود الفقري للدولة، وركيزتها الأساسية»، مثمناً موقف بري «خصوصاً لجهة اعتبار الجيش اللبناني بمثابة خط أحمر، والحفاظ على السلم الأهلي، والانفتاح على الحوار والتفاهم، كونها الوسيلة الأفضل لحماية لبنان وإنقاذه».
واعتبر الرئيس اللبناني «أن التحديات التي تواجه المنطقة كبيرة جداً، وآمل ألا يكون مسارها نحو التصعيد أو الانفجار، وأدعو الى ان يتحلى الافرقاء اللبنانيون بالحكمة والوعي والروية، لإبعاد تأثير هذه التحديات على لبنان الذي يعاني اصلاً من تداعيات اقتصادية صعبة، وهذا يتطلب من الجميع – وزراء ومسؤولين سياسيين – التعامل بحكمة لتجنيب لبنان أي خضة قد تشهدها المنطقة».
شاحنة ضهر البيدر
أما الرئيس سلام، وقبل اعتماد الحكومة خيار إعطاء فسحة للتحقيقات الجارية في ملف المتفجرات حالياً ورصْد تقَدُّمها باعتبارها ذات أهمية في تكوين الأسباب الموجبة للإحالة على المجلس العدلي، فقال: «باستقلالٍ عن البند المطروح على جدول الأعمال في شأن مشروع إحالة مسألة شاحنة ضهر البيدر على المجلس العدلي، أرى أنه لا بدّ من التأكيد على الثوابت التالية التي لم تعد تقبل النقاش:
أولاً، إن حصرية السلاح بيد الدولة هي أصلاً في أساس قيام الدولة ودستورها وقوانينها، وبالذات قانون العقوبات وقانون الدفاع الوطني، فضلاً عن اتفاق الطائف والقرار 1701 وإعلان وقف العمليات العدائية لشهر نوفمبر 2024:
ثانياً، إن الجهات المجاز لها حَمْل السلاح في لبنان هي حصراً، الجيش اللبناني، قوى الأمن الداخلي، مديرية الأمن العام، المديرية العامة لأمن الدولة، الجمارك اللبنانية والشرطة البلدية. وهذا ما ورد في مقدمة إعلان وقف العمليات العدائية الذي ذكرتُه، والذي وافقتْ عليه الحكومة السابقة، وأعادت التأكيد عليه حكومتنا في بيانها الوزاري الذي نالت عليه ثقة مجلس النواب وقراراتها اللاحقة. وعبارة «حصراً» واردة في أصل النص.
والمطلوب من «حزب الله» الالتزام بما سبق وأعلن مراراً موافقتَه على مضمونه، لا أكثر ولا أقل.
ثالثاً، لا شريك للدولة في قرار الحرب والسلم، وهذا في أساس دستور البلاد، وقد عدنا وأكدنا عليه في بياننا الوزاري وفي عدد من قرارات الحكومة، ولا ضرر من إعادة التأكيد عليه بعد كل ما تكبّده الشعب اللبناني من أكلاف نتيجة التفرّد في زجّ البلاد في حروب من خارج المؤسسات الدستورية.
رابعاً: تنفيذاً لهذه المبادئ، لا سيما حصرية السلاح بيد الدولة، كنا قد طلبنا من الجيش إعداد خطة لوضعها موضع التنفيذ، وقد رحّبْنا بها في مجلس الوزراء في سبتمبر الماضي، وعُدْنا وأكدنا على ضرورة الاستكمال في تطبيقها في كل المناطق اللبنانية في مارس 2026، ولا أحد، أياً كان، له صفة أو صلاحية لإعادة النظر في ذلك غير مجلس الوزراء.
خامساً: إن تخزين السلاح أو نقله من خارج الجهات التي لها حصراً شرعية القيام بذلك، تحت أي ذريعة كانت، لا يشكّل فقط خروجاً على هذه الثوابت والقوانين النافذة وقرارات مجلس الوزراء، بل يشكّل خطراً على السلامة العامة، ويهدّد أمن المواطنين، ويقتضي المتابعة الأمنية والملاحقة القضائية لإنزال أشد العقاب الذي تفرضه القوانين بحق المرتكبين. ولا أحد يمكن أن يفرض علينا سقفاً لذلك غير السقف الذي يحدّده القانون، ولا شيء عندنا يمكن أن يعلو على سلامة البلاد وأمن المواطنين».
واكتسبت إشارة سلام الى خطة حصر السلاح (سبتمبر 2025) المُمَرْحَلة أهمية خاصة باعتبار أنه يسود اعتقاد أنها تُطرح بمثابة الوعاءَ اللبناني لمسألة السلاح شمال الليطاني التي تُعتبر من التعقيدات الخفية وغير الخافية في مسار تنفيذ «الاتفاق الإطار» الثلاثي الذي وُقِّع تحت سقف المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية (26 يونيو) ويقوم على تَبادُلية «بين الأرض (الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب) مقابل السلاح (ترسانة حزب الله) من كل لبنان» وفق آلية المناطق التجريبية التي باتت اسماً حركياً لانسحابٍ تدريجي ترفض تل أبيب تفعيله قبل تبلور جدية لبنانية في تفكيك ترسانة الحزب خارج جنوب الليطاني أيضاً.
كما أن كلام سلام أعطى الأرضية القانونية – السياسية للملاحقة والمساءلة في قضية المتفجرات، باعتبار أن الحكومة كانت أعلنت في 2 مارس الجناح العسكري لحزب الله خارجاً عن القانون، كما أن خطة حصر السلاح التي بدأت من جنوب الليطاني (قبل أن تفرملها حرب إسناد إيران) نصت على احتواء السلاح في النطاقات الجغرافية الأخرى (ريثما يبدأ التطبيق فيها) أي منع نقله أو استخدامه.
وبمعزل عن قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ حَصْرِ السلاح شمال الليطاني في ضوء رَفْضِ حزب الله المطلق لهذا الأمر، وعلى مساءلةٍ في قضية المتفجّرات وفق «سلسلة القيادة» كما تصرّ واشنطن، ثمة مَن يعتبر أن تَمَسُّكها بثوابتها حيالهما ومحاولتها إدارتهما بما يُوازِن بين حقّ الدولة في الإمساك بزمام الأمن والحرب والسلم وبين تَفادي انفجار داخلي يسابقه خطر تفجير جبهة الجنوب، يعزز موقعها في «حرب باردة» تخوضها مع حزب الله وربما يَحمي مؤسساتها في حال اقتياد البلاد إلى فم عاصفة نار جديدة.
وكانت معطيات تقاطعت في بيروت عند تلقيها رسائل دولية وعربية تشير إلى المحاذير غير المسبوقة لأي اقتيادٍ للبنان الى حرب إسناد ثانية لإيران التي ترتفع احتمالاتُ تعرضها لضربة جديدة وأكثر قسوة، وسط كشْف صحيفة «النهار» أن الرسائل التي تصل الى العاصمة اللبنانية «والموجهة إلى قيادة» حزب الله «في الدرجة الأولى، تشدد على إبلاغ كل المعنيين بأنه في حال وقوع أيّ مواجهة جديدة بين تل أبيب وطهران، من الأسلم للبنان أن يكون محيداً، وفي حال عدم التزام الحزب هذا التنبيه، فإن حلقات النزوح ستتكرر من الجنوب، مع عدم استثناء الضاحية الجنوبية ولا بيروت من الإنذارات «التي قد تترجم بالفعل».
ونقلتْ عن دبلوماسي غربي «أن المسؤولين الأميركيين عن ملف لبنان يطلبون من الرئيس عون ممارسة مزيداً من الضغوط على الحزب ومنْعه من استعادة حضوره العسكري في المناطق (…) وكل هذه المعطيات التي تلقتْها الرئاسة الأولى وصلتْ إلى الرئيس بري، مع تشديدِ أميركي على اتباع أمرين: العمل أولاً على إقناع الحزب بعدم التحرك جنوباً عند تنفيذ إسرائيل أيّ هجوم في اتجاه إيران، وإذا لم يلتزم فعلى رئيس المجلس أن يعلن أنه لا يؤيد استمراره في الخيار العسكري لناحية إسناد «حماس» في غزة وطهران بعد اغتيال السيد علي خامنئي».
ار
عون جدّد تَضامُن لبنان مع السعودية
جدّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، «تضامن لبنان مع المملكة العربية السعودية في وجه الاعتداءات التي تتعرض لها وكل ما يهدد سيادتها وامنها وامن مواطنيها».
وقال عون، أمام مجلس الوزراء اللبنانية «هناك اتصالات مع المملكة لعودة الخطوط الجوية والسياح السعوديين الى لبنان».
كما شكر «دولة قطر على مساعيها لمساعدة لبنان في موضوع الطاقة».
