«تويوتا» من حافة الإفلاس إلى إمبراطورية السيارات


– الحرب الكورية غيّرت مسار «تويوتا» من التسريحات العمالية إلى التوسّع بالسوق الأميركية

– من استقالة المؤسس إلى عرش السيارات ملحمة صعود «تويوتا» من أزمة 1950

– طلبية الشاحنات الكبرى والسر الحقيقي نحو التحول للعالمية

لم تكن الحرب الكورية مجرد حدث عسكري بالنسبة إلى شركة تويوتا اليابانية، بل تحولت إلى فرصة اقتصادية حاسمة في لحظة كانت تواجه فيها أزمة مالية وإضراباً عمالياً واستقالة مؤسسها، فقد منحتها الطلبات العسكرية الأميركية تدفقاً جديداً للأعمال، فيما ساعدتها إعادة الهيكلة وتطوير قدراتها الإنتاجية على تحويل تلك الفرصة إلى نقطة انطلاق نحو النمو.

لم تبدأ قصة «تويوتا» بصناعة السيارات، بل بصناعة الأنوال الآلية، فقد أسس ساكيتشي تويودا، أعمالاً صناعية في هذا المجال، قبل أن يتولى ابنه كيتشيرو، قيادة مشروع دخول عالم السيارات. ووفقاً للتاريخ الرسمي المنشور على الموقع العالمي لـ «تويوتا»، أُنشئ قسم السيارات داخل شركة تويودا للأنوال الآلية عام 1933، ثم تأسست شركة تويوتا موتور بصورة مستقلة عام 1937.

لم يكن كيتشيرو، يمتلك خبرة واسعة في صناعة السيارات عند بداية المشروع، ولذلك اتجه إلى تطوير الشاحنات بالتوازي مع سيارات الركاب. ويذكر السجل التاريخي الرسمي لتويوتا أن النموذج الأولي لشاحنة «G1» اكتمل في أغسطس 1935، وكُشف عنها في طوكيو خلال نوفمبر من العام نفسه. وبلغ سعر هيكل الشاحنة 2.900 ين، أي أقل بنحو 200 ين من نظيره لشاحنة فورد، وفقاً لبيانات الشركة التاريخية.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، اتجهت صناعة السيارات اليابانية بدرجة كبيرة إلى تلبية الاحتياجات العسكرية، بما في ذلك إنتاج الشاحنات. وبعد انتهاء الحرب، واجهت «تويوتا» مهمة استعادة نشاطها المدني في ظل ظروف اقتصادية صعبة، قبل أن تجد نفسها أمام أزمة مالية أكثر خطورة مع نهاية العقد.

أزمة ديون وتسريحات واستقالة المؤسس

لم تكن «تويوتا» في مطلع عام 1950 شركة مستقرة تنتظر فرصة للتوسع، بل كانت تواجه أزمة تهدد استمرار أعمالها. وبحسب التاريخ الرسمي للشركة، تدهورت أوضاعها المالية مع تراجع المبيعات، وتزايدت المشكلات المرتبطة بتحصيل مستحقات بيع المركبات بالتقسيط، إلى جانب ارتفاع تكاليف المواد الخام مقارنة بالأسعار الرسمية للسيارات.

وفي يناير 1950، بدأت الشركة مفاوضات بشأن خطة لإعادة الهيكلة، تضمنت فصل أنشطة المبيعات عن التصنيع لمعالجة المشكلات المالية وتحسين إدارة التدفقات النقدية. ثم أُنشئت شركة تويوتا للمبيعات في 3 أبريل من العام نفسه. وتوضح الوثائق التاريخية للشركة أن خطة إعادة الهيكلة شملت أيضاً تقليص العمالة وإغلاق مصنعين في طوكيو، وهو ما أدى إلى تصاعد الخلاف بين الإدارة والعمال.

واستمر النزاع العمالي قرابة شهرين، قبل أن ينتهي في يونيو 1950 باستقالة كيتشيرو تويودا من رئاسة الشركة، تحمّلاً للمسؤولية عن الأزمة. وتؤكد رواية تويوتا الرسمية أن النزاع أسفر عن خسارة 2146 وظيفة، فيما تولى تايزو إيشيدا، رئيس شركة تويودا للأنوال الآلية، رئاسة تويوتا موتور لاحقاً في يوليو. وهكذا، دخلت الشركة مرحلة جديدة بعد أزمة لم تكن نتائجها محسومة بعد.

الحرب التي غيّرت المعادلة

في 25 يونيو 1950، اندلعت الحرب الكورية مع عبور القوات الكورية الشمالية خط العرض 38 إلى كوريا الجنوبية. وسرعان ما احتاجت القوات الأميركية والكورية الجنوبية إلى إمدادات عسكرية متزايدة، فاستُخدمت القدرة الصناعية اليابانية لتلبية جانب من تلك الاحتياجات بحكم قرب اليابان من مسرح العمليات.

وبحسب التاريخ الرسمي لـ «تويوتا»، تلقى قسم المشتريات في الجيش الأميركي الثامن استفساراً بشأن توريد الشاحنات في 10 يوليو 1950، أي بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب. وأعقب ذلك طلب لشراء 1000 شاحنة من طراز «BM»، تم الاتفاق على توريدها في نهاية الشهر نفسه.

لكن الطلب الأول لم يكن سوى بداية موجة أكبر، ففي 29 أغسطس 1950، تلقت «تويوتا» طلباً إضافياً لشراء 2.329 شاحنة، ثم طلباً آخر لشراء 1.350 شاحنة في 1 مارس 1951. ووفقاً للسجل التاريخي الرسمي للشركة، بلغ إجمالي الطلبات الثلاثة 4.679 شاحنة من طراز «BM»، بقيمة إجمالية وصلت إلى 3.66 مليار ين.

وكانت هذه العقود مهمة في توقيت بالغ الحساسية، فالشركة التي أمضت الأشهر السابقة في معالجة أزمة مالية حادة، والتفاوض مع العمال بشأن التسريحات، أصبحت أمام طلبات كبيرة من عميل عسكري قادر على توفير حجم أعمال جديد. ولهذا، يصف التاريخ الرسمي لـ«تويوتا» الطلب الناجم عن الحرب الكورية بأنه مصدر انتعاش مهم لأعمالها.

ولا يعني ذلك أن العقود العسكرية وحدها عالجت جميع مشكلات الشركة، أو أنها ألغت الحاجة إلى إصلاحات إدارية وتشغيلية، لكنها وفرت دفعة تجارية في وقت كانت فيه «تويوتا» بحاجة ماسة إلى استعادة قدرتها على الإنتاج وتحسين أوضاعها المالية.

ما يميز هذه القصة أن «تويوتا» لم تكن قد بدأت معالجة أزمتها مع اندلاع الحرب من الصفر؛ فقد سبقت الطلبات العسكرية خطة لإعادة الهيكلة وفصل أنشطة المبيعات عن التصنيع. وفي المقابل، لم تكن العقود العسكرية نهاية المطاف، بل جاءت ضمن مرحلة أوسع سعت فيها الشركة إلى تطوير قدراتها الإنتاجية.

ومن أبرز خطوات هذه المرحلة رحلة إيجي تويودا إلى الولايات المتحدة عام 1950. ووفقاً للتاريخ الرسمي للشركة، أمضى إيجي نحو شهر ونصف الشهر في التدريب لدى شركة فورد، وزار عدداً من منشآتها الصناعية، واطلع على أساليب العمل والإنتاج فيها. وجاءت هذه الرحلة في وقت كانت فيه «تويوتا» تسعى إلى تحديث قدراتها الصناعية والاستفادة من خبرات الشركات الأميركية.

وفي فبراير 1951، اعتمدت تويوتا خطة خمسية لتحديث منشآتها الإنتاجية، استهدفت الوصول إلى قدرة إنتاجية تبلغ 3000 مركبة شهرياً. ويذكر تاريخ الشركة أن الخطة تضمنت استثمارات إجمالية في المعدات بلغت نحو 5.8 مليار ين على مدى 5 سنوات، لمعالجة تقادم الآلات وتوسيع القدرة الإنتاجية.

وتكشف هذه الخطوات أن التحول لم يكن مجرد استجابة لزيادة الطلب، بل شمل العمل على بناء قدرة أكبر على الإنتاج بكفاءة، فالطلب العسكري وفر أعمالاً إضافية، فيما استهدفت الاستثمارات والتحديثات تمكين الشركة من التعامل مع احتياجات السوق على نطاق أوسع.

من الإنقاذ الموقت إلى النمو الصناعي

بحلول عام 1953، كانت صناعة السيارات اليابانية قد تجاوزت مستوى الإنتاج القياسي المسجل عام 1941، وفقاً لموسوعة «EBSCO» في سيرتها التاريخية لإيجي تويودا. وتشير الموسوعة إلى أن «تويوتا» تقدمت على منافستها نيسان في مبيعات سيارات الركاب والشاحنات، في تطور يعكس اتساع نشاطها خلال سنوات التعافي.

وفي عام 1957، اتخذت «تويوتا» خطوة مهمة نحو السوق الأميركية، بإرسال أول سيارتين من طراز «كراون» إلى الولايات المتحدة. وتوثق «تويوتا» هذا الحدث باعتباره بداية وصول سياراتها إلى السوق الأميركية، قبل أن تتوسع أنشطتها الدولية في العقود اللاحقة.

لكن من المهم عدم اختزال هذا المسار في عقود الحرب الكورية وحدها، فقد تداخلت في تطور الشركة عوامل متعددة، منها إعادة الهيكلة المالية، وتغيير أساليب إدارة المبيعات، وتحديث المعدات، والتدريب لدى الشركات الأميركية، ثم تطوير الإنتاج والتوسع في الأسواق.

الفرصة لا تصنع النجاح بمفردها

وتقدم تجربة «تويوتا» مثالاً على كيفية تغير مسار شركة عندما تتوافر فرصة تجارية كبيرة في لحظة حرجة، فقد واجهت الشركة أزمة مالية ونزاعاً عمالياً، ثم جاءت الحرب الكورية لتولد طلباً عسكرياً واسعاً على شاحناتها، بلغ 4679 شاحنة بقيمة 3.66 مليار ين، وفقاً للسجل التاريخي الرسمي لـ «تويوتا».

غير أن العقود لم تكن بديلاً عن الإصلاح، فقد كانت إعادة الهيكلة قد بدأت قبل الحرب، ثم تزامنت مرحلة التعافي مع الاستثمار في المعدات والتعلم من التجربة الصناعية الأميركية.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *