شكّل البيان الذي أصدره «أصدقاء لبنان» وتولّتْ السفارة الأميركية في بيروت كَشْفَ مضامينه أشبه بـwake – up call لبيروت الغارقة في تحليلاتٍ مفرطة لارتداداتِ نتائج الانتخاباتِ النصفية الأميركية، كما ارتجاجاتِ انتخابات الكنيست الإسرائيلي على الواقع اللبناني وفي قياسِ مدى تأثيرِها على الضغوط الدبلوماسية والعسكرية ذات الصلة بملف سلاح «حزب الله» وإمكان انخراطه مجدداً في حرب إسنادٍ لإيران إذا عادتْ «لغة المدفع» على جبهتها.
ورغم أن لبنان مكشوفٌ على مَخاطر يمكن أن يتعرّض لها نتيجةَ الحسابات الأميركية والإيرانية والإسرائيلية، بفعل واقع «الأواني المستطرقة» الذي فرضه عليه «حزب الله» وجَعَلَه في «مركب واحد» مع طهران، فإن هذا التداخلَ لا يعفيه مِن وجوب تجنُّب الإمعان في لعبة انتظارٍ لتفاعلاتِ الأزمتين السياسيتيْن في واشنطن وتل ابيب كي يفعّل عملية حَصْر سلاح «حزب الله» بوصفها التزاماتٍ على الحكومة اللبنانية وفق قراراتها (أغسطس 2025 ومارس 2026) وبموجب «اتفاق الإطار» الثلاثي الموقّع مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل في 26 يونيو الماضي.
ورأت أوساط سياسية أن موقف «أصدقاء لبنان» الخميس، جاء ليوجّه رسالةً بهذا المعنى وبأنّ ثوابت الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وكندا واليابان لم تتغيّر بإزاء المطلوب من بيروت، أمس واليوم وغداً في ما خص ملف السلاح وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وذلك بمعزل عن التحولاتِ العميقة التي عبّرتْ عنها:
– الانتخابات النصفية الأميركية، حيث أن هزيمةَ الجمهوريين في غرفتيْ الكونغرس تشكّل متغيّراً يَجْري رَصْدُ هل سيعيد تشكيل خيارات واشنطن الإقليمية خصوصاً على مستوى إدارةِ الحرب مع إيران، في ضوء هوامش المناورة التي ضاقت بشدة أمام الرئيس دونالد ترامب الذي بات أمام حاجةٍ مُلِحّةٍ لقفل هذه الجبهة، بطريقة أو أخرى، ولكن بما يُنْقِذ صورتَه وإرثَه ويحول دون تَحَوُّلِه «رئيسَ ظلّ» لِخلَفه أياً يكن في القرار الذي سيتّخذه في شأن «الجمهورية الإسلامية».
– ونصف خسارة بنيامين نتنياهو المدجَّجة بدورها بتأثيراتٍ تلقائية على جبهة لبنان تحتمل سيناريو «تَصعيد الهروب إلى الأمام» كما تثبيت ستاتيكو التوتر المضبوط حالياً في انتظار استيعاب ترامب «الصدمة الأولى» للنكسة الأكبر والتي بدأت تداعياتها المتدحرجة تصيب «بيتَه الداخلي» وهيبته في قلب حزبه، مع ارتسام ملامح «إحباط جمهوريّ» اشتمّه نائب الرئيس جاي دي فانس الساعي لِما نُشر أنه «تحالف المحبطين» في الطريق لخوض سباق الترشح عن «الفيل الأحمر» للانتخابات الرئاسية.
ومن دون «قفازاتٍ» صيغ بيان «أصدقاء لبنان» الذي عاود مكتب شؤون الشرق الأدنى التابع لوزارة الخارجية الأميركية نشره على منصة «أكس» عن صفحة السفارة الأميركية، وجاء فيه «نحن سفارات المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا وكندا واليابان، وبصفتنا أصدقاءً للبنان، نؤكد دعمنا القوي لحكومة لبنان في ضمان حصرية السلاح بيد الدولة، وأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في شؤون الحرب والسلم.
نأخذ علماً بالخطوات التي اتخذتْها السلطات اللبنانية في قضية ضهر البيدر (متفجرات حزب الله)، ونشجّع على مسار قضائي سريع ومستقلّ، بمنأى عن أي تدخل سياسي، بما يضمن المساءلة الكاملة.
ومن الضروري أيضاً بالنسبة للبنان، في ظل الظروف الراهنة، الحصولُ على التزام علني وواضح من جميع أعضاء مجلس النواب وجميع الأحزاب يؤكدون فيه تأييدَهم لتصريحات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بأن الدولة اللبنانية وحدها صاحبة الحق في اتخاذ قرار الحرب والسلم.
كما نعيد التأكيد على رغبتنا الراسخة في أن تستعيد الدولة اللبنانية سلطتها السيادية الفعلية كاملةً على جميع أراضيها».
وإذ بدا هذا الموقف انعكاساً لحجم المخاطر التي ستترتّب على لبنان في حال اختار ترامب «آخِر الدواء الكيّ»مع إيران وقرر «حزب الله» زجّ «بلاد الأرز» في أتون الحرب، فإن الرئيس جوزاف عون عاود تأكيد «ان لبنان دولة مستقلة وذات سيادة، ولن نقبل أن يشاركنا أحد في سيادتنا»في إشارة ضمنية اعتُبرت برسم طهران.
متفجرات «حزب الله»
في موازاة ذلك، مضى القضاء العسكري في متابعة ملف شحنة متفجرات حزب الله، حيث باشرت قاضية التحقيق العسكري الأول غادة أبوعلوان تحقيقاتها في القضية، فاستجوبت أمس الموقوفيْن من الحزب علي الكردي وهيثم امهز، وفي نهاية الجلسة أصدرت مذكرتَي توقيف وجاهيتين بحقهما.
وكان تم الادعاء قبل أسبوع على 13 شخصاً من الحزب، في ملف الشحنة التي ضُبطت عند حاجز ضهر البيدر بينما كانت في طريقها من بعلبك الى الضاحية الجنوبية داخل شاحنة (يقودها الكردي وأمهز) محملة يما بين 500 و800 كيلوغرام من الـ سي 4 وأخواتها من متفجرات وكرات حديد ومسامير.
وقد تبنّى «حزب الله» علناً أن المضبوطات تعود إليه وأن وجهة استعمالها «مقاومة إسرائيل»، وهو ما لم يحل دون تحريك القضاء باعتبار أن الحكومة سبق أن أعلنت الجناحَ العسكري للحزب خارجاً عن القانون وأقرّت ايضاً سحب سلاحه على مراحل يتخللها احتواؤه ومنْع نقله واستخدامه بين مرحلة وأخرى.
