«علي بابا»… كلمة بحث بلا نتائج غيّرت مسار معلّم الإنكليزية


– القيمة لم تكن في صفحة خالية من النتائج وحدها بل في العمل الذي حوّل سؤالاً لمشروع

– جاك ما وفريقه بدأوا بإمكانات محدودة تقنياً ودون خطة مكتملة مع استخدام الأموال المتاحة بعناية

– الشركات الصغيرة يمكن أن تصل أسواق أوسع إذا امتلكت الأدوات المناسبة

لم يكن جاك ما مبرمجاً أو خبيراً في التكنولوجيا حين تعرّف على الإنترنت للمرة الأولى 1995، بل كان معلّم لغة إنجليزية أسّس شركة صغيرة للترجمة في مدينة هانغتشو الصينية. ووفقاً لمقابلة أجرتها معه مجلة «إنك» الأميركية، تعلّم الإنكليزية منذ صغره عبر مرافقة السياح الأجانب وتعريفهم بمعالم مدينته، وهي تجربة وسّعت اهتمامه بالعالم خارج الصين.

وُلد ما، واسمه الصيني ما يون، عام 1964، وتخرّج في معهد هانغتشو للمعلمين 1988، ثم عمل مدرّساً للغة الإنكليزية. وبعد سنوات في التدريس، اتجه إلى العمل التجاري وأسّس وكالة للترجمة. لكن التحوّل الأهم في مسيرته لم يبدأ من مشروع تجاري مخطط له، بل من تجربة بسيطة مع شبكة لم يكن يعرف عنها الكثير.

في 1995، سافر ما إلى مدينة سياتل الأميركية مترجماً لوفد تجاري، وفق روايته المنشورة في «إنك». وهناك، عرّفه أحد معارفه على الإنترنت للمرة الأولى. وفي مقابلة لاحقة نقلتها وسائل إعلام، روى ما أنه بدأ البحث عن كلمة «بيرة»، فظهرت له معلومات عن أنواع من دول مختلفة، لكنه لم يجد ما يتعلّق بالصين، وعندما بحث عن اسم بلده، لم تظهر له النتائج التي توقعها.

ولم تكن أهمية التجربة في غياب نتيجة بحث فحسب، بل في السؤال الذي أثارته: إذا كانت شبكة الإنترنت تتيح الوصول إلى معلومات من أنحاء العالم، فلماذا لا يجد المستخدمون معلومات كافية عن الشركات الصينية؟ وقد رأى ما في هذه الفجوة احتمالاً لبناء خدمة تربط الشركات الصينية بالعالم، في وقت كانت فيه الأعمال التجارية عبر الإنترنت لا تزال في بداياتها داخل الصين.

مبادرة تجارية سبقت سوق الإنترنت

بعد عودته إلى هانغتشو، أطلق ما عام 1995 مشروع «صفحات الصين»، وهو دليل إلكتروني يهدف إلى عرض معلومات عن الشركات الصينية ومساعدتها على الظهور أمام العملاء في الخارج.

وتصف مصادر عدة، من بينها «إنك» وموقع جمعية آسيا، المشروع بأنه من أوائل المبادرات التجارية الصينية القائمة على الإنترنت، مع اختلاف المصادر في مدى أسبقيته الدقيقة.

لم يكن تنفيذ الفكرة سهلاً، فقد كانت معرفة الجمهور بالإنترنت محدودة، كما أن الوصول إلى الحواسيب والاتصال بالشبكة لم يكن شائعاً كما أصبح لاحقاً. وفي روايته لمجلة «إنك»، أوضح ما أنه واجه صعوبات في المنافسة مع شركة الاتصالات الصينية، قبل أن تنتهي تجربته بالانسحاب من المشروع المشترك الذي أُقيم لاحقاً.

وهكذا، لم يتحول الاكتشاف الأول إلى نجاح تجاري سريع، لكن التجربة أتاحت لجاك ما اختبار فكرة تقديم الخدمات للشركات عبر الإنترنت، وفهم العقبات التي تواجه مشروعاً جديداً في سوق لم تنضج بعد.

من التجربة الأولى للعمل الحكومي

بعد تعثر «صفحات الصين»، انتقل ما إلى بكين، حيث تولّى بين 1998 و1999 إدارة شركة تقنية مرتبطة بجهة حكومية معنية بالتجارة الإلكترونية، وفقاً للسيرة المنشورة في موقع جمعية آسيا ومصادر صحافية أخرى. وقد منحته هذه المرحلة فرصة إضافية لمتابعة تطور الإنترنت وتطبيقاته التجارية.

وحسب روايته المنشورة في مجلة «إنك»، ظل هدفه تأسيس شركة خاصة تستفيد من الإنترنت في خدمة الأعمال. ومع اتساع الاهتمام العالمي بالتجارة الإلكترونية أواخر التسعينات، عاد إلى هانغتشو ليبدأ مشروعاً جديداً، مستفيداً من تجربته السابقة ومن قناعته بأن الشركات الصغيرة يمكن أن تصل إلى أسواق أوسع إذا امتلكت الأدوات المناسبة.

وفي 1999، جمع ما 17 شخصاً من أصدقائه وزملائه في شقته، وعرض عليهم رؤيته لتأسيس منصة إلكترونية تربط الشركات والمورّدين بالمشترين حول العالم.

ووفقاً لروايته في مجلة «إنك»، جمع الفريق 60 ألف دولار لبدء المشروع. وهكذا تأسست «علي بابا» بمشاركة 18 مؤسساً، ما تؤكده أيضاً المعلومات التاريخية المنشورة على الموقع الرسمي للمجموعة.

استهدفت المنصة في بدايتها تسهيل التواصل التجاري بين الشركات، ولا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تسعى إلى الوصول إلى مشترين خارج أسواقها المحلية. ولم يكن نجاحها مضموناً؛ فقد أشار ما نفسه إلى أن الفريق بدأ بإمكانات محدودة، دون موارد تقنية كبيرة أو خطة مكتملة، مع حرص على استخدام الأموال المتاحة بعناية.

وتوسعت أعمال المجموعة لاحقاً، فأطلقت منصة «تاوباو» عام 2003، وفقاً للتسلسل التاريخي المنشور على الموقع الرسمي لعلي بابا. وبمرور الوقت، تطورت المجموعة من مشروع ناشئ إلى واحدة من أبرز شركات التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا في الصين.

رؤية الإمكانات قبل اكتمال السوق

لم تصنع عملية بحث واحدة إمبراطورية «علي بابا»، لكنها ساعدت جاك ما على ملاحظة فجوة تجارية لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي. وبعد تجربة أولى تعثرت، اكتسب خبرة عملية، وواصل متابعة تطور الإنترنت حتى عاد 1999 بفكرة جديدة وفريق مستعد للمشاركة في تنفيذها. وتوضح قصته أن اكتشاف الفرصة لا يعني بالضرورة القدرة على استثمارها فوراً، فقد تكون السوق غير مهيأة، أو تكون الموارد والخبرة غير كافية، لكن التجربة المبكرة قد تمنح صاحبها معرفة يصعب اكتسابها من بعيد، وتجعله أكثر استعداداً عندما تتغير الظروف. وفي حالة جاك ما، لم تكن القيمة في صفحة خالية من النتائج وحدها، بل في السؤال الذي طرحه بعدها، ثم في العمل الذي حوّل ذلك السؤال إلى مشروع.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *