سيظل الموروث الشعبي الذي تناقلته الأجيال وأرشيفه الزاخر، بما يحويه من عصارة تجارب الآباء والأجداد، يشكّل ذاكرة الوطن.
وبقدر أهمية هذا التراث، تأتي أهمية المحافظة عليه وتدوينه وتوثيقه ودراسته وتحليله على يد المتخصصين الذين نذروا أنفسهم للدفاع عن هوية الرعيل الأول، وما خلفته من قيم توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
وفي هذا الصدد، صدرت ثلاثة إصدارات تسلّط الضوء على تراث اللهجة الكويتية والموروث الشعبي في قصائد الشعراء ومدرسة المثنى العريقة، لتشكّل محطة مضيئة في طريق الباحثين عن أصالة التراث وعراقة الموروث الشعبي.
«الموروث في اللهجة»… الفصحى راسخة في العامية المحلية
في كتاب «الموروث الشعبي في اللهجة الكويتية… استشهادات تأصيلية من الفصيح» لمؤلفه الباحث في التراث سالم عبداللطيف المسباح، نجد المؤلف يستعرض الموروث الشعبي من قصائد وأمثال شعبية وعبارات وكتابات وأهازيج أطفال وطقوس وعادات وتقاليد وما يتخللها من مفردات وربما نداءات وغيرها، مؤكداً أن «هذا كله ينقل لنا صورة عن الحياة الاجتماعية والحضارية والاقتصادية لمجتمعنا وهوية ولسان هذا المجتمع، وهو المعول عليه عند الرغبة في نقل هذه الهوية بغية الحفاظ عليها وذلك بالطبع يكون بالاستناد على هذا الموروث رغبةً منا بالنقل منه ونشره».
وخلص المؤلف بعد بحث مستفيض إلى «رسوخ الفصحى في عاميتنا وارتباط العامية بالفصحى وأنها بالفعل بنت الفصحى»، مشيراً إلى «أن اللهجة العامية تعتمد اعتماداً كبيراً على اللغة العربية الفصيحة».
«الموروث في قصائد الشعراء»… إرث ثقافي وذاكرة الكويت الشعبية
في كتاب «ذاكرة الوطن وسنوات الكويت… في الموروث الشعبي من قصائد الشعراء»، للباحث في التراث سالم عبداللطيف المسباح، اعتبر الباحث أن «الموروث الشعبي يعد إرثاً ثقافياً بشقيه المادي والمعنوي، وتزخر دولة الكويت بموروث شعبي غني عبّر عن هويتها الوطنية سواء عن طريق مفردات اللهجة أو ضروب الأدب».
وبيّن أن «الموروث والأدب الشعبي وتحديداً الشعر يأتي في المقام الأول للتعبير عن وجدان الأمة والشعب ومرآة لماضيه وحاضره ويرسم مستقبله، وما مر على هذا المجتمع من أحداث وقضايا اجتماعية كانت أو وطنية وخلافها من مواضيع، وهو يُعتبر جزءاً من التراث الثقافي والأدبي بل ومتمماً له وبه تكتمل دائرة التراث والموروث الشعبي، وذلك إضافة للأمثال الشعبية والعبارات والكنايات وأهازيج الأطفال وألعابهم الشعبية والطقوس والعادات والتقاليد، وهو ما ينقل لنا مُجتمعاً صورة عن الحياة الاجتماعية والحضارية والاقتصادية لمجتمعنا الكويتي».
وتطرق الباحث لـ«ما وثّقه شعراء الكويت من أحداث وسنوات مرّت على البلاد والمجتمع، وكانت هذه القصائد مرآة عاكسة نقلت لنا صورة عن المجتمع وتجاربه وحياته الاجتماعية وأحداثه التاريخية، وكما هو معلوم فهناك سنوات وثّقت أحداثاً وظروفاً اجتماعية ولولا هذه الوثائق لما وصلت لنا حيثيات هذه الأحداث ولما عرفنا الظروف المعيشية لأسلافنا وما جرت عليهم من مواقف».
«مدرسة المثنى»… أيقونة شارع فهد السالم التعليمية
أما كتاب مدرسة المثنى للباحث في التراث فؤاد أحمد المقهوي، فقد وثق «تاريخ هذه المدرسة العريقة التي تقع في منطقة القبلة وبالتحديد شارع فهد السالم، والذي كان يسمى شارع الجهراء وأيضاً يسمى (الصيهد) بسبب وقوعه على (صيهد) وهو المكان المرتفع في الصحراء حيث يسمى بهذا الاسم وهو قديم ويبدأ هذا الشارع من ساحة الصفاة إلى الجهراء دون الالتفات إلى اليمين أو إلى الشمال حيث تسير القوافل والسيارات بعد ذلك من ساحة الصفاة إلى الجهراء بشارع واحد».
وتابع الباحث «مدرسة المثنى تقع مكان مجمع المثنى، وقد سمي كذلك بسبب وجود مدرسة المثنى في هذا المكان بعد أن هدمت أواخر السبعينات وتم بناء هذا المجمع عليها ومدرستنا هذه بنيت في النصف الثاني من الأربعينات وبدأ العمل بها في العام الدراسي 1948 – 1949، أما المواد المستعملة في عملية البناء فهي الطابوق الاسمنتي والأسمنت الذي كان يمسك الطابوق ويستعمل لمساح الحوائط التي تم صبغها باللون الأبيض وهذه المواد كانت جديدة في تلك الأيام، أما الأسقف فكانت على الطريقة القديمة حيث غطيت (بالجندل) وهي أخشاب دائرية يتراوح طولها بين 3 إلى 4 أمتار كانت توضع على سقف الغرف وهذه القطع الخشبية الدائرية الشكل كانت تجلب من أفريقيا التي تؤخذ من الغابات هناك وتباع إلى دول الخليج بالتحديد والتي كانت تستعمل هذا النوع من الأخشاب في البناء وبعد أن توضع قطع (الجندل) توضع فوقها عصي الباسجيل وهذه تستخرج من البامبو الذي يحضرونه من أفريقيا أيضاً يتم تكسير البامبو من الرأس إلى الأسفل لاستخراج الباسجيل الذي يدهن باللون الأسود بصبغ يسمى (الطاري أو السيالي) حفاظاً على تلك الأخشاب».
وتطرق الباحث لبداية التعليم في الكويت، قائلاً «في بداية القرن العشرين وبالتحديد في عصر الشيخ مبارك الصباح توسعت الحركة التجارية بين الهند وسواحل أفريقيا وأصبحت تجارة اللؤلؤ ذات أهمية كبرى في الكويت، وهنا أصبحت الحاجة ملحة لإيجاد المتعلمين الذين يعرفون الكتابة والحساب ومسك الدفاتر حتى يتمكنوا من توزيع حصص العاملين في سفن الغوص».
