«العربية.نت» – لم يكن فيكتور هيغو، صاحب روايتي «البؤساء» و«أحدب نوتردام»، بحاجة إلى تطبيق لإدارة الوقت أو مدرب للتنمية الذاتية حتى يتغلب على التسويف، فقد لجأ قبل نحو قرنين إلى حيلة غير مألوفة، أخفى بموجبها ملابسه حتى لا يغادر منزله وينشغل عن كتابة روايته.
وتعود الحكاية إلى عام 1830، حين وجد الأديب الفرنسي نفسه في مأزق حقيقي بسبب تأخره في إنجاز رواية «أحدب نوتردام»، التي تعاقد مع الناشر غوسلان على كتابتها منذ عام 1828. ومع اقتراب موعد التسليم، بدأ الناشر يفقد صبره، ولوّح بفرض غرامات مالية عليه إذا لم يلتزم بالموعد المتفق عليه.
وكان هيغو قد انشغل بأعمال أخرى، وترك مشروع الرواية يتأخر، حتى وجد نفسه أمام سباق مع الزمن. فقرر في سبتمبر 1830 اللجوء إلى حيلة غير تقليدية؛ جمع ملابسه المعتادة وأبعدها عن متناول يده، ولم يترك لنفسه سوى رداء صوفي رمادي طويل يلتف به من عنقه حتى قدميه، حتى لا يجد مبرراً للخروج والتنزه والانشغال بالحياة الاجتماعية.
ولم تكن المسألة مجرد اختيار ملابس غريبة، بل محاولة لفرض عزلة على نفسه وإغلاق أبواب الإغراءات التي كانت تبعده عن الكتابة. وتروي زوجته أديل في مذكراتها أنه أصبح لا يغادر مكتبه إلا لتناول الطعام والنوم، وأنه انغمس تدريجياً في عالم الرواية وشخصياتها.
ولم يكن التحدي بسيطاً؛ فقد كان عليه إنجاز رواية ضخمة في وقت قصير، لكنه نجح في كتابة نحو 180 ألف كلمة خلال أربعة أشهر ونصف تقريباً، ووضع اللمسات الأخيرة على المخطوط في 15 يناير 1831، قبل أن تصدر الرواية في العام نفسه وتصبح واحدة من أشهر الأعمال الأدبية في العالم.
لكن لو عاش هيغو في عصرنا، فربما لم يكن سيحتاج إلى إخفاء ملابسه، بل إلى إبعاد هاتفه الذكي عن متناول يده!
ففي زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، تحوّل الهاتف إلى منافس دائم للعمل والدراسة والقراءة وحتى العلاقات الاجتماعية. إشعار واحد يقود إلى تصفح سريع، ثم مقطع آخر، ثم عشرات المنشورات، قبل أن يكتشف المستخدم أن دقائق قليلة تحولت إلى ساعة أو أكثر.
واللافت أن الإنسان لم يعد بحاجة إلى مغادرة منزله حتى يهرب من مسؤولياته؛ يكفي أن يجلس أمام حاسوبه لإنجاز مهمة ضرورية، ثم يمد يده إلى هاتفه لتفقد إشعار، فيجد نفسه غارقاً في مقاطع الفيديو والمنشورات والتعليقات، متنقلاً بين التطبيقات دون هدف واضح.
ولا تتوقف المشكلة عند الوقت المهدور، بل تمتد إلى تشتت الانتباه وصعوبة العودة إلى المهمة الأصلية، خصوصاً عندما يتكرر الانتقال بين العمل والهاتف طوال اليوم. فالتسويف لم يعد دائماً تأجيلاً مباشراً للعمل، بل أصبح أحياناً هروباً صغيراً ومتكرراً إلى شاشة الهاتف.
وبينما كان هيغو يحاول إغلاق أبواب التشتيت أمامه لإنقاذ روايته، يجد إنسان اليوم نفسه أمام أبواب مفتوحة بلا نهاية، تقوده من تطبيق إلى آخر، في دوامة لا تنتهي من المحتوى والإشعارات.
ولعل الدرس الأهم من حيلة هيغو ليس الاختباء من العالم، بل إدراك أن الإنجاز يحتاج أحياناً إلى حرمان النفس موقتاً من الأشياء التي تسرق انتباهها.
فربما لا نحتاج إلى عبقرية فيكتور هيغو حتى ننجز أعمالنا، بل إلى شجاعة وضع الهاتف جانباً، وإغلاق الإشعارات، ومنح أنفسنا وقتاً لا ينافسنا فيه أحد.
