… إنها معركةٌ لا تُشبه سواها. هكذا كانت «آخِر المعارك» التي خاضها بثباتٍ العماد جوزف عون بعبوره الـ 3 كيلومترات الصعبة الفاصلة بين مقرّه في قيادة الجيش (في اليرزة) والقصر الجمهوري في بعبدا.
فبعد عامين ونحو شهرين من «فخامة الفراغ» الذي سَكَنَ قصر بعبدا، فُرشت السجادة الحمراء في انتظار وصول الرئيس جوزف عون، وكذلك ارتفعت سارية العلم بعدما نكّستها التجاذبات طويلاً وعادتْ نافورة الماء كأنها لإطفاء نارٍ ما.
ولم يكن انتخاب «فخامة العماد» في الدورة الثانية من الاقتراع سوى محطة مفصلية اختزلتْ التحولات العاصفة في المنطقة التي بدت وكأنها تنقلب رأساً على عقب، واختزنت ملامح متغيرات حاسمة في لبنان وفي موقعه الإقليمي.
وهكذا خلع «القائد» المرقط، وانتشرت صوره «الرئاسية» على الطرق وفي الساحات كخامس جنرال يترأس الجمهورية المتعَبة… رئيس من خارج الطبقة السياسية وربما نقيضها، وفي سجلّه إنجازات لا يُستهان بها.
لم يشذّ انتخاب عون عن تاريخ قادة الجيش في لبنان في حصْد لقب «فخامة الجنرال».
المسافةُ بين اليرزة، حيث مقرّ قيادة الجيش ووزارة الدفاع، وبين قصر بعبدا قصيرةٌ لا تتعدى الكيلومترات القليلة. وقادة الجيش الموارنة منذ أن انتُخب اللواء فؤاد شهاب عام 1958 رئيساً وأسس لمدرسةٍ سياسية عُرفت لاحقاً بالشهابية، أصبحوا يطمحون لتكرار التجربة نفسها.
لكن تجربة الشهابية بعدما انطبعت بممارسات المكتب الثاني الأمنية ومحاولة إسقاط معارضي شهاب في الانتخابات النيابية، أدت في سنوات ما بعد عهده إلى تفادٍ مطلق لوصول قائد للجيش إلى القصر الجمهوري.
وما قام به الرئيس أمين الجميل عام 1988 بتعيين قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون رئيساً لحكومة انتقالية وما تبعها من رفْض «الجنرال» ترْك القصر الجمهوري، أعاد إلى قيادة الجيش دوراً سياسياً كان لسنوات ممنوع عليها ممارسته.
في زمن الوصاية السورية انتُخب قائد الجيش العماد اميل لحود رئيساً للجمهورية (1998 ومُدد له 3 سنوات حتى 2007)، وأتت تسوية الدوحة 2008 بالعماد ميشال سليمان رئيساً ليَخرج من قيادة الجيش إلى قيادة الجمهورية.
وخلال الفراغ الذي أعقب انتهاء ولايته (2014) كان اسم قائد الجيش آنذاك العماد جان قهوجي متصدّراً قائمة المرشحين للرئاسة إلى أن قضت التسوية الرئاسية بانتخاب العماد ميشال عون رئيساً في 31 أكتوبر 2016.
وبعد انتخاب الرئيس عون، كان العماد جوزف عون أوّل المرشحين على لائحته لتسلُّم قيادة الجيش خَلَفاً لقهوجي. علماً أن الأخير والقائد – الرئيس الحالي كانا عملا تحت إمرة الجنرال ميشال عون (في المؤسسة العسكرية) الذي وقبل أن يصل إلى قصر بعبدا خاض معارك ضدّ قهوجي وكان يطرح مراراً ضرورة إقالته من منصبه.
جاء جوزف عون إلى اليرزة ضابطاً عسكرياً قائداً للواء التاسع الذي كانت مهمّته حفظ الأمن في الجنوب في منطقة عمل قوة «اليونيفيل» ومراقبة تنفيذ القرار 1701. وهو كان ضابطاً في فوج المغاوير حين تَعَرَّفَ إلى قائد الجيش حينها ميشال عون الذي لا تربطه به علاقة قربى، فميشال عون من حارة حريك وجوزف عون من بلدة العيشية (جزين) جنوب لبنان.
حين تَسَلَّمَ ميشال عون رئاسة الجمهورية عَيّن جوزف عون قائداً للجيش، والأخير عَيّن العميد طوني منصور مديراً للمخابرات وهو كان أيضاً قريباً من رئيس الجمهورية. وساهمت عملية «فجر الجرود» التي قام بها الجيش ضد التنظيمات الإرهابية عام 2017 في تعزيز العلاقة بين قيادة الجيش وقصر بعبدا.
لكن الخلافات لاحقاً بدأت تظهر بين رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش ومديرية المخابرات، وسببُها الأساسي علاقة الوزير جبران باسيل بكل من قائد الجيش – الذي كان رئيس «التيار الوطني الحر» (باسيل) يرى فيه مرشحاً متوقَّعاً – ومدير المخابرات، وكلاهما لم يستجيبا لطلبات باسيل في كثير من التعيينات العسكرية.
رَفَضَ رئيس الجمهورية التمديد لمنصور في مديرية المخابرات، رغم حرص واشنطن على التمديد له، علماً أن التعيين يعود إلى قائد الجيش الذي يستمزج عادةً رئيس الجمهورية. وتفاقمت الخلافات بين الطرفين في ظل حادثة قبرشمون (صيف 2019) التي كان سببها زيارة باسيل لمنطقة عاليه وما حصل فيها من استفزازاتٍ أدت إلى مقتل شابيْن مناصريْن للوزير طلال ارسلان، ومن ثم تظاهرات 17 اكتوبر 2019 التي رفض فيها الجيش الاصطدام بالمتظاهرين وفتْح الطرق بالقوة لاسيما طرق جل الديب وجونيه والطريق الساحلية المؤدية إلى البترون حيث مسقط رأس باسيل.
ومع التظاهرات التي أصابت بقوةٍ عهد ميشال عون وباسيل وتَرافُقِها مع عقوباتٍ أميركية على الأخير، ارتفعتْ أسهمُ قائد الجيش بحُكْم الأمر الواقع. إلا أن التحدي الأكبر الذي واجهه كان في 3 ملفات:
– الأول ترسيم الحدود البحرية بعدما كان الجيش الذي كُلِّف مهمة التفاوض غير المباشر وتحضير ملف الترسيم، يصرّ على النقطة 29 بحراً، إلا أن القصر الجمهوري أصرّ على النقطة 23 وسَحَبَ ملف الترسيم من يد الجيش خصوصاً بعد تَسَلُّم النائب الياس بوصعب المهمة مكلّفاً من الرئيس عون.
– والثاني الانهيار المالي الذي أصاب المؤسسة ورواتب عسكرييها، إلا أن العماد جوزف عون عمل على تأمين هبات، ومنها هبات قُدِّم من خلالها مئة دولار لكل عسكري من كل الرتب. علماً ان الجيش تمتع بصدقية خلال انفجار مرفأ بيروت (4 اغسطس 2020) إذ أصرّ عدد من الدول، ونتيجة تداول الكثير من أخبار الفساد المستشري في السلطة اللبنانية، على أن يتولى الجيش حصراً تسلم الهبات وتوزيعها.
– والثالث «حرب لبنان الثالثة» التي اندلعتْ بين اسرائيل و«حزب الله» على خلفية فتْح الحزب «جبهة الإسناد» لغزة واستمرت في أكثر مظاهرها تَوَحُّشاً 65 يوماً من غزو جوي، ثم بري، واغتيالاتٍ لقيادة حزب الله، وخريطة دم ودمار على امتداد الجغرافيا اللبنانية لاسيما الجنوب والبقاع والضاجية الجنوبية لبيروت، إلى أن علّقها اتفاق وقف النار في 27 نوفمبر والذي نصّ على هدنة 60 يوماً كمرحلة انتقالية يُفترض أن تشهد بداية تطبيق القرار 1701 بكل مندرجاته، بدءاً من انسحاب الجيش الاسرائيلي من أكثر من 60 بلدة حدودية في الجنوب وانتشار الجيش اللبناني في جنوب الليطاني بعد انسحاب «حزب الله» من هذه المنطقة وتفكيك كامل بنيته العسكرية فيها، تحت الأرض وفوقها.
وهذا الاتفاق وما بعده يُشكّل الجيشُ اللبناني حَجَرَ الزاوية فيه وسط اعتبار المجتمع الدولي المؤسسةَ العسكرية «بوليصة التأمين» لضمان تنفيذ الـ 1701 بشراكةٍ مع قوة «اليونيفيل» وتحت إشراف اللجنة الخماسية المولجة مراقبة التطبيق (تضم ضباطاً من الولايات المتحدة وفرنسا واليونيفيل ولبنان واسرائيل بقيادة أميركية)، وصولاً إلى ترجمة مقتضيات استعادة الدولة اللبنانية سيادتها على كامل أراضيها وإنهاء أي وجود مسلّح خارج الشرعية.
ومنذ أن طُرح اسمه للرئاسة، حرص جوزف عون على تفادي الدخول المباشر على الملف الرئاسي، وهي عادةُ قادة الجيش في عدم التصريح السياسي والإدلاء بأي تلميحات رئاسية. وكل الكلام الذي كان يُدْلي به قاله أمام ضباطه، وهو أحاط نفسه بحلقة ضيقة من سياسيين ومستشارين تولّوا الإضاءة عليه في صورة مُقَنَّعة أو مكشوفة.

