جُل مؤشّرات جودة التعليم العالي مبني على قياس مدى توافق المخرجات مع متطلبات سوق العمل، الحالية والمستقبلية. وغالباً ما يُقاس هذا التوافق من خلال استطلاع درجة رضا أرباب سوق العمل بكفايات ومهارات وسلوكيات الخريجين، فضلاً عن استطلاع آراء الأطراف الأخرى «أصحاب المصلحة» (stakeholders) المعنية بكفاءة الخريجين، كالخريجين قبل سنوات معدودة، وفي الغالب المتفوقون منهم.
فعلى سبيل المثال، يُنَظِّم القسم العلمي الذي أنتسبُ إليه – في كلية الدراسات التكنولوجية – لقاءً سنوياً مع سوق العمل، للبرنامجين التكنولوجيين اللذين يقدّمهما القسم العلمي، وذلك لمعرفة جوانب القوّة والضعف في خريجي كلا البرنامجين، ولاستقبال الملاحظات والاقتراحات ذات العلاقة بكفاءة الخريجين.
وعملاً بمبادئ الشفافية، يرسل القسم العلمي مسودّة محضر اللقاء إلى حضور اللقاء للمصادقة عليها، كما يُرسل إليهم محضر اللقاء بعد المصادقة عليه. ثم يتداول القسم العلمي ما جاء في المحضر، من نقاط قوة وضعف وملاحظات ومقترحات، ويتّخذ الإجراءات المناسبة لكل منها. وبعد ذلك، يُرسل تقريراً في شأن تلك الإجراءات إلى حضور اللقاء. ثم يقيس آثار وتبعات تلك الإجراءات من خلال أدوات وقنوات متعدّدة، من بينها اللقاءات السنوية التالية مع سوق العمل.
هذه الإجراءات متنوّعة ومتعدّدة المستويات. فقد تكون إجراءات أكاديمية داخل القسم العلمي، مثل إضافة جرعة قانونية مَحدودة ومُبسّطة إلى منهج أحد المقررات الإلزامية، لتأهيل الخريجين للاستعانة بمضامين العقود في ممارسة الإشراف على تنفيذ أعمال العقود ذاتها. وقد تكون الإجراءات أكاديمية خارج القسم العلمي، مثل إبلاغ وحدة اللغة الإنكليزية ملاحظات سوق العمل حول قدرات الخريجين اللُّغوية الإنكليزية. كما يمكن أن تكون إجراءات إدارية، مثل مخاطبة إدارة الهيئة من خلال عمادة الكلية لتوفير درجات وظيفية لتعيين مُدرّبين ذوي خبرة، لتنمية المهارات المهنية لدى الخريجين.
المراد، أن دورة التطوير المستمر للتعليم التكنولوجي هذه، يمكن تطبيقها على التعليم العام من أجل تطويره باستمرار وبكفاءة عالية، وذلك بعد قياس الكفايات المنشودة لدى خريجي التعليم العام، بالاستعانة بآراء الأكاديميين في مؤسسات التعليم العالي وبآراء الخبراء والمعنيين بثقافة المجتمع. وسأكتفي في هذا المقال بالإشارة إلى كفاية احترام التعدّدية.
رغم اعتزازنا بكوننا مجتمعاً حضارياً تعدّدياً في دولة دستورية، الناس فيها سواسية في الكرامة الإنسانية، وحرية القيام بشعائر الأديان فيها – طبقاً للعادات المرعية وبما لا يخل بالنظام العام ولا ينافي الآداب – محمية من قبل الدولة، إلا أننا كمجتمع كثيراً ما نتعرّض لموجات من الاحتقان الفئوي بسبب الاختلاف في ممارسة شعيرة دينية، مثل عيد الفطر.
شاهدتُ عبر منصة «إكس» مقطع فيديو حديث – عدد مشاهداته عالية جداً – مُزعجاً في جزئيّتين. الأولى هي تعرّض شخص لتهمة الطائفية لمجرّد ممارسته شعيرة العيد في يوم آخر، رغم نفيه وجود دافع طائفي. والجزئية الثانية تضمن المقطع رداً غير هادىء أيضاً.
لذا أدعو القائمين على جودة التعليم العام إلى مراجعة وتحليل المقطع، والتصريحات المسموعة والمقروءة المماثلة، والتصدّي لها من خلال إجراءات متنوّعة ومتعدّدة المستويات، من بينها تطوير المناهج لتعزز ثقافة التعدّدية لدى الطلبة وفي المجتمع، وتأهيل المدرسين لمواكبة هذا التطوير.
فمن غير المعقول، خصوصاً في المرحلة الحالية الحساسة على المستويات المحلي والإقليمي والعالمي، أننا بسبب الاختلاف في تحديد يوم ممارسة شعيرة عيد الفطر، نَتّهم الآخر بالطائفية أو بالولاء لدولة أخرى، إمّا بسبب الجهل بالآراء الشرعية لدى الآخر أو بسبب عدم احترام الحقوق الدستورية للآخر…
اللهمّ أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه
.abdnakhi@yahoo.com
