الترابط المتزايد بين البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية سلاح ذو حدين للاستقرار المالي


– أسواق رأس المال تُتيح آليات جمع الأموال وتخصيص الموارد بكفاءة

– تخفيف المخاطر الائتمانية يعتمد على الضبط المالي الداعم للنمو

– تعزيز أسواق السندات بأطر ذات مصداقية تلبّي احتياجات الحكومات للاقتراض,

تعتبر أسواق رأس المال من أهم محركات النشاط الاقتصادي، حيث تتيح الآليات اللازمة لجمع الأموال وتخصيص الموارد بكفاءة. ولذلك، فإن استقرار هذه الأسواق ومؤسساتها المالية الوسيطة له تأثير بالغ على الاقتصاد الكلي، لاسيما عند زيادة التقلبات السوقية وعدم اليقين الاقتصادي، كما يحدث في الوقت الراهن.

ويشير تقييم صندوق النقد الدولي في أحدث عدد من تقرير الاستقرار المالي العالمي إلى نمو هائل في المخاطر المهددة للاستقرار المالي العالمي نتيجة تشديد الأوضاع المالية، وزيادة عدم اليقين في شأن التجارة والأوضاع الجغرافية-السياسية. ويرتكز التقييم على 3 مواطن ضعف مستقبلية بارزة في النظام المالي كالتالي:

1 – تتزايد التركزات في أسواق رأس المال – فعلى سبيل المثال، تشكل الولايات المتحدة نحو 55 في المئة من سوق الأسهم العالمية، صعوداً من 30 في المئة منذ عقدين، ولاتزال تقييمات بعض الأصول تتجاوز قيمتها الحقيقية، رغم موجات البيع الأخيرة. وتشير التصحيحات الإضافية في أسعار الأصول إلى ضرورة التيقظ في ظل عدم اليقين الاقتصادي الهائل.

2 – استقرار هذه الأسواق ومؤسساتها المالية الوسيطة له تأثير بالغ على الاقتصاد الكلي، لاسيما عند زيادة التقلبات السوقية وعدم اليقين الاقتصادي، كما يحدث في الوقت الراهن.

3 – يشير تقييم صندوق النقد إلى نمو هائل في المخاطر المهددة للاستقرار المالي العالمي نتيجة تشديد الأوضاع المالية وزيادة عدم اليقين في شأن التجارة والأوضاع الجغرافية-السياسية.

وفي جميع هذه المجالات، تضطلع البنوك بدور حيوي، حيث تشكل مركز النظام المالي، لا لوظيفتها الإقراضية الأساسية فحسب، ولكن لدورها الرئيسي في تيسير نمو أسواق رأس المال أيضاً. فالبنوك الدولية الكبرى من أهم صانعي أسواق السندات والمشتقات. وهي أيضاً من أهم مقدمي الرفع المالي لمختلف شرائح المؤسسات المالية غير المصرفية، بفضل قدرتها على الإقراض المباشر بضمان محافظ الأصول، ومن خلال خطوط الائتمان، أو تسهيل الرفع المالي بشكل غير مباشر من خلال اتفاقات إعادة الشراء والمشتقات.

أهمية نظامية

وتستخدم البنوك ذات الأهمية النظامية عالمياً وغيرها من مقدمي الرفع المالي، مثل شركات مقاصة المشتقات، أدوات متنوعة للتحوط من خطر إخفاق المؤسسات المالية غير المصرفية، بما في ذلك من خلال متطلبات وترتيبات الضمان للحد من إجمالي الانكشافات. ولكنها لا تستطيع السيطرة على ما يقترضه عملاؤها من المؤسسات الأخرى.

وبالتالي، ازداد الرابط بين البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية السنوات الأخيرة – ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، بلغ اقتراض المؤسسات المالية غير المصرفية 120 في المئة من شريحة رأس المال الأولى المتضمنة للأسهم العادية في البنوك.

تزايد الروابط

ورغم التأثير الاقتصادي الإيجابي لتوسع المؤسسات غير المصرفية في نشاط الوساطة المالية، فإن فرط نموها اعتماداً على الاقتراض من البنوك التقليدية قد يجعل هذه الجهات الإقراضية بنوعيها أكثر عرضة لمخاطر عدوى محتملة، ومن بين شرائح المؤسسات المالية غير المصرفية الأخرى، يناقش تقرير الاستقرار المالي العالمي كيف أن بعض صناديق التحوط، وهي من أهم فئات المؤسسات المالية غير المصرفية، قد تشهد نتائج عكسية لإستراتيجيات التداول شديدة الاعتماد على الرفع المالي بسبب التقلبات السوقية. وقد يدفعها ذلك إلى خفض نسب الرفع المالي من خلال بيع أصولها في أسواق هابطة، ما يتسبب بالتالي في خسائر للبنوك المقرضة لتلك الصناديق.

والائتمان الخاص إحدى شرائح المؤسسات المالية غير المصرفية الأخرى التي شهدت نمواً هائلاً، وتستهدف هذه القروض عادة صغار المقترضين في قطاع الشركات. ومع استمرار نمو الائتمان الخاص، أبدت البنوك رغبتها في المشاركة من خلال المشروعات المشتركة أو عبر تقديم تسهيلات القروض. وفي ظل التنبؤات بتباطؤ النمو العالمي، قد تتدهور قدرة المقترضين على السداد، ما يؤدي إلى خسائر لصناديق الائتمان الخاص وشركائها من البنوك على حد سواء.

كذلك، تتزايد الديون في قطاع مختلف للغاية، وهو القطاع الحكومي، ففي الوقت الحالي، يشكل الدين السيادي 93 في المئة من الناتج الاقتصادي العالمي، صعوداً من 78 في المئة منذ 10 سنوات، كما ارتفعت تكلفة التمويل بالقيمة الأسمية والحقيقية. ونظراً لأن السندات الحكومية من أهم الأدوات التي ترتكز عليها أسواق رأس المال، قد تشكل الاضطرابات في هذه السوق تهديداً للاستقرار المالي.

تخفيف هذه المخاطر

وكما يشير تقرير الراصد المالي، يعتمد تخفيف هذه المخاطر على الضبط المالي الداعم للنمو. ومن الجوانب المهمة الأخرى ضمان سيولة الأسواق وكفاءة عملياتها. ففي الاقتصادات المتقدمة، تتوقف صلابة الأسواق على كفاءة الحكومة في إدارة كميات كبيرة من إصدارات السندات من جهة، وضمان قدرة البنوك والوسطاء – التجار غير المصرفيين على القيام بدور الوساطة في هذه المعاملات من جهة أخرى. وفي الأسواق الصاعدة، يتعين ضمان مصداقية أطر إدارة الدين. ويعني ذلك ضرورة تعزيز قدرة المؤسسات، ووضع أهداف وإستراتيجيات واضحة لإصدار السندات واستردادها، والمعايرة الدقيقة لتكوين عملات السندات.

الرفع المالي

إن دور المؤسسات غير المصرفية في تشجيع الرفع المالي لا ينفي منافعها الاقتصادية حال تطبيق آليات الحماية اللازمة لضمان قدرتها على مواجهة الصدمات المعاكسة. وبداية، فإن تعزيز متطلبات الإبلاغ من شأنه مساعدة الأجهزة الرقابية في وضع تصور عن نشاط هذه المؤسسات عبر النظام ككل، والتمييز بين المؤسسات التي تضطلع بدور مفيد في الوساطة المالية وغيرها من المؤسسات التي تفرط في تحمل المخاطر أو تعاني من ضعف الإدارة. ومن الضروري تعزيز السياسات اللازمة للتخفيف من مواطن الضعف الناجمة عن الرفع المالي والروابط المؤسسية، استنادا إلى المعايير الدنيا أو التوصيات الصادرة عن مجلس الاستقرار المالي وغيره من الهيئات المختصة بوضع المعايير.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *