أدلة ترجّح وجود طبقة مخفية داخل نواة الأرض الداخلية


رسم العلماء خريطة عبر عقود من تتبع الموجات الزلزالية، وباتت راسخة في الكتب المدرسية حول العالم، ومفادها أن الأرض تنقسم إلى 4 طبقات، وهي: القشرة والوشاح والنواة الخارجية والنواة الداخلية.

لكن ما كشفته أبحاث زلزالية تراكمية أجراها باحثون في الجامعة الوطنية الأسترالية يُلمّح إلى أن هذه الخريطة تفتقر إلى طبقة 5 مخفية في الأعماق، هي: نواة داخلية داخل النواة الداخلية.

والأدوات الوحيدة المتاحة للنفاذ إلى هذا العمق البالغ أكثر من 6000 كيلومتر هي الموجات الزلزالية المتولدة عن الزلازل. وتنتقل هذه الموجات بسرعات مختلفة وفق طبيعة المادة التي تخترقها وترتيب البنى البلورية فيها، وهذا يُتيح للعلماء رسم صورة غير مباشرة عمّا يقبع في أعماق لا يمكن لأي حفر بشري أن يقتربها.

وللتوضيح، فإن أعمق حفرة أُنجزت على الإطلاق في تاريخ البشرية، وهي حفرة كولا السوفيتية في شبه جزيرة كولا، بلغت ما يزيد قليلاً على 12 كيلومتراً فحسب، وهي مسافة هزيلة أمام المسافة الفاصلة بين السطح والنواة الداخلية.

وعبر تحليل بيانات زلزالية مجمَّعة على مدى عقود من المركز الدولي للرصد الزلزالي، لاحظ باحثو الجامعة الوطنية الأسترالية تبايناً في سرعة الموجات بحسب اتجاهها داخل النواة، وهو ما يُعرَف بـ«اللاتماثل». والمفاجأة أن هذا اللاتماثل يتغير نمطه في منطقة تبلغ نحو 650 كيلومتراً من مركز الأرض، وهذا يُشير إلى أن بنية بلورات الحديد والنيكل في هذه المنطقة المركزية مُرتَّبة ترتيباً مختلفاً عن المنطقة المحيطة بها.

والتفسير الأرجح لهذا الاختلاف هو أن النواة الأرضية مرّت بحدثَي تبريد متتاليَين وليس واحداً، وهذا أفضى إلى أن تتصلّب الطبقة الأعمق أولاً وتتشكّل فيها بنية بلورية محددة، ثم تصلّبت لاحقاً الطبقة المحيطة بها بظروف مختلفة أفرزت ترتيباً بلورياً مغايراً. وتُشكّل هذه الفرضية نقلة نوعية في فهمنا لتاريخ تصلّب الأرض الداخلي وتبرّدها عبر المليارات من السنين.

ولتوضيح الدلالة الكبرى لهذا الاكتشاف:

• تُسجَّل درجات الحرارة في النواة الداخلية ما يزيد على 5000 درجة مئوية، وهي حرارة تتجاوز درجة حرارة سطح الشمس المرئية، وتُشكّل هذه النواة نحو 1 في المئة فحسب من إجمالي حجم الأرض.

• حرارة النواة الداخلية تُحرِّك حركة الحمل الحراري في النواة الخارجية السائلة، وهذه الحركة بدورها تُولِّد المجال المغناطيسي الحيوي للأرض الذي يحمينا من الإشعاعات الكونية القادرة على محو الحياة عن سطح الكوكب.

• أي تغيير في نماذجنا لتاريخ تشكُّل النواة يُعيد رسم فهمنا للجدول الزمني الأرضي الكامل، بما فيه الظروف المبكرة التي أتاحت نشوء الحياة قبل 4 مليارات عام.

• يُمكن لاكتشاف دورتي تبريد في قلب الأرض أن يُفسّر لماذا جاءت بعض نتائج التجارب المعملية السابقة في تعارض مع النماذج النظرية الحالية لبنية النواة.

وتبقى كلمة المؤلفة الرئيسية للدراسة، جوان ستيفنسون، مُلخِّصةً حجم الاكتشاف: «الأمر مثير جداً، وقد يعني أننا بحاجة إلى إعادة كتابة الكتب المدرسية.» وهي عبارة نادراً ما تصدر عن علماء في هذا المجال، إذ يُميل الجيوفيزيائيون عموماً إلى الحذر في التعبير. غير أن ثقل البيانات يبدو هذه المرة كافياً لتبرير هذا المستوى من الثقة.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *