أعداء بالوراثة – الراي


خلال القرن التاسع عشر، فسّر واعتبر العديد من الكتّاب والمؤرّخين والسياسيين في ألمانيا وفرنسا أن العداء بين الأمّتين متجذّر في التاريخ إلى ما قبل الرومان، ولكن هذا العداء الموروث -المتراكم منذ فجر التاريخ إلى العصر الحديث- لم يمنع الأمتين من الشراكة والاتحاد الإيجابي لصالحهما وشركائهما.

في عام 2008، نشر كتاب بعنوان «تاريخ العلاقات الفرنسية الألمانية في أوروبا: من أعداء بالوراثة إلى شركاء» من تأليف البروفيسورة Carine Germond أستاذة تاريخ التكامل الأوروبي بجامعة Yale الأميركية والدكتور Henning Türk أستاذ التاريخ في جامعة Duisburg-Essen الألمانية. واستُعرض في هذا الكتاب الصراع الدموي بين الأمتين منذ عهد نابليون بونابرت (نابليون الأوّل) إلى الحرب العالمية الثانية. الصراع الذي تضمّن ثلاث حروب كبيرة، تركت كل منها آثاراً عدائية عميقة في نفوس الأمتين.

في 19 يوليو 1870، أعلنت فرنسا الحرب على ولايات الاتحاد الألماني الشمالي بقيادة مملكة بروسيا، وانتهت الحرب في 28 يناير 1871، باستسلام فرنسا، وتنازلها عن المقاطعتين ألزاس ولورين (Alsace and Lorraine). إلى جانب ضحايا وخسائر الحرب الجسيمة، وُثّقت العديد من جرائم الحرب التي ارتكبت في هذه الحرب، وكان من بينها جرائم إعدام أسرى.

الحرب الثانية بين الأمتين كانت الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) التي انتصرت فيها قوّات الحلفاء (من بينها فرنسا) على دول المركز (من بينها ألمانيا)، فاستُرجعت فرنسا المقاطعتَان من ألمانيا المهزومة، التي فُرضت عليها شروط قاسية جداً لوقف إطلاق النار، وخصوصاً في المجال الاقتصادي، يُعتقد أنها أسهمت بقوة في وصول النازية إلى الحكم في ألمانيا. الشاهد أن ألمانيا تكبّدت أكثر من مليونين قتيل وتكبّدت فرنسا أكثر من مليون ونصف المليون قتيل.

والحرب الثالثة كانت الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) التي انتصرت فيها قوّات الحلفاء (من بينها فرنسا) ودول المحور (من بينها ألمانيا). الشاهد أن ألمانيا تكبّدت قرابة سبعة ملايين قتيل وتكبّدت فرنسا قرابة ستمئة ألف قتيل.

وبعد استعراض الحروب الدموية الفتاكة بين الأمتين، استعرض الكتاب «تاريخ العلاقات الفرنسية الألمانية في أوروبا» كيف تحوّل «الأعداء بالوراثة» إلى شركاء. وتضمّن الكتاب محطّات عدّة في رحلة التحوّل.

بمبادرة من فرنسا في 1950، لتعزيز التعاون الفرنسي الألماني ومنع تجدّد الحرب بينهما، أي بعد خمس سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقّعت في العام التالي ست دول أوروبية «معاهدة باريس» التأسيسية للجماعة الأوروبية للفحم والصلب. ثم في 1957، وقعت «اتفاقية روما» لإنشاء المجموعة الاقتصادية الأوروبية. وفي 1992 وقعت «معاهدة ماستريخت» المعاهدة المؤسسة للاتحاد الأوروبي. هذا الاتحاد الذي تأسس وتطور بفضل تعاون وتكامل ألمانيا وفرنسا، حيث لا يمكن أن يتخذ قرار مهم في الاتحاد الأوروبي من دون موافقة ألمانيّة فرنسيّة مشتركة.

على الضفّة الأخرى من عالمنا المعاصر، وتحديداً في الشرق الأوسط، لفتت انتباهي المساعي الحثيثة من قبل البعض لإجهاض مساعي التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة المتجاورة، كالكويت والعراق، من خلال إحياء وتضخيم مشاعر العداء بين الشعوب المتصاهرة.

وأذكر على سبيل المثال، حادثة إساءة عسكري عراقي في منفذ سفوان على سيادة الكويت، حيث اعتبر البعض أن هذه الإساءة ليست صادرة من عراقي، بل من العراق. ثم تجاهل هذا البعض خبر توقيف العسكري عن العمل وإحالته إلى بغداد لاستكمال الإجراءات القانونية في حقّه.

أذكّر نفسي قبل غيري، أن الكويت والعراق وسائر دول المنطقة لا يمكنها الصمود أمام التحديات الماثلة والمتفاقمة، المحليّة والإقليمية والعالمية، وضمان استدامة وتنمية الرفاه لشعوبها، إلا بمحاكاة تجربة أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وأما العقلية الأوروبية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى فنهايتها الطبيعية هي حرب أخرى… «اللهم أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه».

abdnakhi@yahoo.com





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *