تشدد أوروبا انتقاداتها لإسرائيل، لكنها تجد صعوبة في التخلي عن منظوماتها العسكرية وتقنياتها: من إسبانيا وفنلندا إلى ألمانيا واليونان، يستمر التعاون الأمني، فيما تسجل الصادرات العسكرية الإسرائيلية أرقاماً قياسية وفق ما أوردته صحيفة «معاريف».
تتسع الفجوة بين العلاقات السياسية لإسرائيل مع عدد من الدول الأوروبية وبين العلاقات الأمنية التي تواصل هذه الدول الحفاظ عليها معها. فحتى الدول التي تصعّد خطابها تجاه إسرائيل، وتفرض عقوبات وتقيّد علاقاتها معها، لا تسارع إلى التخلي عن منظومات الأسلحة والتكنولوجيا والمعدات الأمنية الإسرائيلية.
ويقول مسؤولون سياسيون مطلعون على الملف: «معظم الدول تحافظ على نوع من الازدواجية».
وتُعد الحالة الإسبانية الأبرز على الإطلاق. ففي سبتمبر 2025، أقرت مدريد قانوناً يهدف إلى تكريس حظر واسع على الأسلحة والمعدات الأمنية في التعامل مع إسرائيل، بما يشمل قيوداً على التصدير إليها والاستيراد منها. لكن مسؤولين إسرائيليين يقولون إن الحظر، عملياً، ليس محكماً بالكامل، خصوصاً أن القانون نفسه يتيح للحكومة الموافقة على استثناءات عندما تقرر أن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك.
ويقول مسؤولون إسرائيليون: «لا يوجد شيء محكم تماماً، وهم أيضاً لا يلتزمون ذلك».
وبحسب مصادر سياسية، استمرت صفقات أمنية مع إسبانيا حتى بعد دخول القانون حيز التنفيذ، بما في ذلك أنشطة أُجيزت في إطار آلية الاستثناءات.
وينص القانون الإسباني نفسه على استثناء يسمح للحكومة بالموافقة على صفقات كانت ستُحظر في ظروف أخرى، إذا كان التطبيق الكامل للقيود يضر بـ «المصالح الوطنية العامة». وبالتالي، فإن النشاط الأمني في بعض الحالات لا يجري خلافاً للحظر، وإنما استناداً إلى بند الاستثناء الذي أدرجته مدريد بنفسها في القانون.
وقد استخدمت الحكومة الإسبانية بالفعل هذا الاستثناء، وسمحت لشركة Airbus بمواصلة استخدام التكنولوجيا الإسرائيلية في مشاريع إستراتيجية، بعدما تبين أن التوقف الكامل عن استخدامها قد يضر بالقدرات الإنتاجية وفرص العمل والمشاريع الدفاعية التي لا تتوفر لها بدائل فورية.
كما أظهرت نقاشات جرت في إسبانيا استمرار الاعتماد على التكنولوجيا والتراخيص والدعم الفني الإسرائيلي في عدد من المنظومات الدفاعية. ولا يمكن استبدال هذه المكونات والمنظومات بالكامل في المدى القريب، كما أن ذلك يتطلب تكاليف باهظة وتطوير بدائل محلية أو أوروبية.
ومع ذلك، ألغت مدريد بالفعل صفقات مع إسرائيل، ولا يدعي المسؤولون في القدس أن الحظر بقي حبراً على ورق. فقد أوقفت إسبانيا بعض عمليات الشراء والمشاريع، وتعمل على تقليص اعتمادها الأمني على إسرائيل. إلا أن الاستثناءات الواردة في القانون تترك للحكومة الإسبانية إمكانية مواصلة التعاون الأمني مع إسرائيل عندما ترى أن المصلحة الوطنية تستوجب ذلك.
إسبانيا ليست الوحيدة
هولندا، على سبيل المثال، تدفع باتجاه اتخاذ إجراءات ضد التجارة مع المستوطنات، لكن وزارة دفاعها تواصل، في الوقت نفسه، شراء منظومات إسرائيلية عندما لا يتوفر لديها بديل جاهز. وقد أوضحت الحكومة الهولندية علناً أنه في بعض المجالات توفر الشركات الإسرائيلية منظومات أو مكونات حيوية لا يوجد لها حالياً بديل هولندي أو أوروبي ملائم ومتاح.
وفي فنلندا، وفي الوقت الذي احتدم فيه الجدل السياسي والعام بشأن إسرائيل، مددت هلسنكي بهدوء اتفاق التعاون الأمني مع إسرائيل حتى عام 2034. ويشمل الاتفاق البحث والتطوير والمشتريات الدفاعية، وقد جُدد في عام 2024، أي بعد اندلاع الحرب في غزة، بمبادرة فنلندية ولمدة عشر سنوات، مقارنة بخمس سنوات في الاتفاقات السابقة. ولم تعلن وزارة الدفاع الفنلندية القرار عند اتخاذه.
وتحتل العلاقات مع الصناعات الإسرائيلية مكانة مهمة في المشتريات الدفاعية الفنلندية. وتعد إسرائيل ثاني أكبر مورد أجنبي للمعدات الدفاعية لفنلندا، وتزودها بمنظومات من بينها «مقلاع داود» وصواريخ Gabriel. وأوضح مسؤولون فنلنديون أن استمرار العلاقة ضروري لتنفيذ الصفقات القائمة وأعمال الصيانة والتعاون طويل الأمد.
أما في ألمانيا، فيتواصل تعميق التعاون الدفاعي مع إسرائيل، في وقت توجه فيه برلين انتقادات للسياسة الإسرائيلية في ملفات مثل مشروع E1 والاستيطان. وأصبحت صفقة منظومة «حيتس 3» (Arrow 3) وتوسيعها من العوامل التي جعلت ألمانيا إحدى أبرز زبائن الصناعات الدفاعية الإسرائيلية، كما ساهمت في تسجيل رقم قياسي جديد للصادرات العسكرية.
وفي اليونان، أُبرمت الاثنين صفقة ضخمة أخرى مع إسرائيل، رغم الانتقادات التي تُسمع في أثينا بشأن الحرب في غزة. ووقعت الدولتان صفقة «درع أخيل» بقيمة نحو ثلاثة مليارات يورو، وهي أكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ العلاقات الإسرائيلية – اليونانية، وإحدى أكبر الصفقات في تاريخ إسرائيل.
وفي دول البلطيق، يرصد المسؤولون في إسرائيل «اتجاهاً تصاعدياً» في الطلب على المنظومات الإسرائيلية بسبب المخاوف المتزايدة من روسيا. وبحسب تقديرات مسؤولين سياسيين إسرائيليين، تعتبر دول البلطيق نفسها واقعة على «خط المواجهة الأمامي»، وتخشى أن تكون التالية إذا اتسع نطاق التهديد الروسي.
لقد غيرت الحرب في أوكرانيا والتهديد الروسي أولويات الأمن في القارة الأوروبية. فالدول الأوروبية ترفع ميزانياتها الدفاعية بوتيرة سريعة وتبحث عن منظومات أثبتت بالفعل قدراتها العملياتية، فيما لا تتوفر في بعض المجالات بدائل أوروبية جاهزة للتكنولوجيا الإسرائيلية. وكانت فنلندا، على سبيل المثال، قد أوضحت أن حرب أوكرانيا أثبتت لها مدى الأهمية الحاسمة لقدرات الدفاع الجوي.
الصادرات الدفاعية عند مستوى قياسي
تحاول إسرائيل، قدر الإمكان، الفصل بين خلافاتها السياسية مع الحكومات الأوروبية وبين علاقاتها الأمنية معها. ولا تسارع إسرائيل إلى وقف الصفقات الدفاعية رداً على الانتقادات السياسية.
ويقول مسؤولون سياسيون إسرائيليون: «نحن براغماتيون». فمن وجهة النظر الإسرائيلية، قد يؤدي وقف الصفقات إلى الإضرار بالصناعات الدفاعية المحلية، ومنح حصص في الأسواق للمنافسين، وفي مقدمها فرنسا، وتقليص النفوذ الذي تخلقه العلاقات طويلة الأمد بين الصناعات الإسرائيلية والأجهزة الأمنية الأوروبية.
وتظهر المصلحة الإسرائيلية أيضاً في الأرقام. ففي عام 2025، سجلت الصادرات الدفاعية الإسرائيلية مستوى قياسياً بلغ 19.2 مليار دولار، بارتفاع يقارب 30 % خلال عام واحد، وأكثر من الضعف خلال خمس سنوات. وتعتبر وزارة الدفاع الإسرائيلية توسيع الصادرات الدفاعية أداة لتعزيز الصناعات العسكرية وتمويل الاحتياجات الأمنية، وكذلك لدفع أهداف سياسية.
لكن إسرائيل أيضاً لا تفصل بصورة مطلقة بين الاعتبارات السياسية والأمنية. فقد يتم وقف صفقة إذا برزت مخاوف من تسرب التكنولوجيا أو انتقال منظومة معينة إلى جهة معادية أو وقوع أضرار أمنية أخرى. ولا يستبعد مسؤولون سياسيون أن تؤثر الاعتبارات السياسية أيضاً، في ظروف معينة، على صفقة ما.
وفي الوقت الراهن، لا يمنع التوتر السياسي مع عدد من الحكومات الأوروبية استمرار التعاون الدفاعي. فدول القارة تزيد ميزانياتها العسكرية وتواجه التهديد الروسي، وفي المجالات التي لا تتوفر فيها بدائل جاهزة تجد صعوبة في التخلي عن المنظومات الإسرائيلية.
وربما تكون إسبانيا المثال الأبرز: فحتى بعدما كرست قانونياً حظراً واسعاً على التعامل العسكري مع إسرائيل، أبقت في القانون نفسه إمكانية الاستثناء عندما تفرض احتياجاتها الأمنية ومصالحها الوطنية ذلك.
